وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: هذه الشرائع التي شرعها لكم هي حدوده، فلا تتجاوزوها. كما ثبت في الحديث الصحيح (¬١٤٠٠): " إن الله حدّ حدودًا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرّم محارم فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من [¬١] غير نسيان، فلا تسألوا عنها".
وقد يستدل بهذه الآية من ذهب إلى أن جمع [¬٢] الطلقات الثلاث بكلمة واحدة حرام، كما هو مذهب المالكية ومن وافقهم، وإنما السنة عندهم أن يطلق واحدة واحدة؛ لقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. ثم قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ويقوون ذلك بحديث محمود بن لبيد الذي رواه النسائي في سننه (¬١٤٠١)؛ حيث قال: حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب، عن مخرمة بن [¬٣] بكير، عن أبيه، عن محمود بن لبيد، قال: أخبر رسول الله، ﷺ، عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان ثم قال: "أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟! " حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أقتله؟ فيه انقطاع.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي: إنه إذا طلق الرجل امرأته طلقة ثالثة بعد ما أرسل عليها الطلاق مرتين، فإنها تحرم عليه ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي: حتى يطأها زوج آخر في نكاح صحيح، فلو وطئها واطئ في غير نكاح، ولو في ملك اليمين [¬٤] لم تحل للأوّل، لأنه ليس بزوج، وهكذا لو تزوّجت، ولكن لم يدخل بها الزوج لم تحل للأوّل، واشتهر بين كثير من الفقهاء أن سعيد بن المسيب ﵀ أنه [¬٥] يقول: يحصل المقصود من تحليلها للأوّل بمجرّد العقد على الثاني. وفي صحته عنه نظر، على أن الشيخ أبا عمر بن عبد البر قد حكاه عنه في الاستذكار، فالله أعلم.
وقد قال أبو جعفر بن جرير ﵀ (¬١٤٠٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سالم بن رزين، عن سالم بن عبد الله، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ، في الرجل يتزوّج المرأة فيطلقها قبل أن يدخل بها ألبتة، فيتزوّجها زوج آخر فيطلقها، قبل أن يدخل بها: أترجع إلى الأوّل؟ قال: "لا، حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها".
هكذا وقع في رواية ابن جرير، وقد رواه الإمام أحمد (¬١٤٠٣)؛ فقال:
حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن علقمة بن مرثد؛ قال [¬١]: سمعت سالم بن رزين يحدث، عن سالم بن عبد الله -يعني: ابن عمر- عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ، في الرجل تكون له المرأة فيطلقها [¬٢]، ثم يتزوّجها رجل فيطلقها قبل أن يدخل بها، فترجع إلى زوجها الأوّل، فقال رسول الله ﷺ: "حتى تذوق [¬٣] العسيلة".
وهكذا رواه النسائى (¬١٤٠٤) عن عمرو بن علي الفلاس، وابن ماجة عن محمد بن بشار بندار [¬٤]، كلاهما عن محمد [بن] [¬٥] جعفر غُنْدَر، عن شعبة، به كذلك. فهذا من رواية سعيد بن المسيب، عن ابن عمر مرفوعًا، على خلاف ما يحكى عنه، فبعيد أن يخالف ما رواه بغير مستند، والله أعلم.
وقد روى أحمد أيضًا والنسائي وابن جرير [¬٦] هذا الحديث (¬١٤٠٥) من طريق سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن رزين بن سليمان الأحمري، عن ابن عمر؛ قال: سئل النبي، ﷺ، عن الرجل يطلق امرأته ثلاثًا فيتزوجها آخر، فيغلق الباب ويرخي الستر، ثم
يطلقها قبل أن يدخل بها: هل تحل للأوّل؟ قال: "لا، حتى تذوق [¬١] العسيلة".
وهذا لفظ أحمد، وفي رواية لأحمد: سليمان بن رزين.
(حديث آخر): قال الإمام أحمد (¬١٤٠٦): حدثنا عفان، حدثنا محمد بن دينار، حدثنا يحيى بن يزيد الهنائي [¬٢]، عن أنس بن مالك: أن رسول الله، ﷺ، سئل عن رجل كانت تحته امرأة فطلقها ثلاثاً فتزوجت بعده رجلًا، فطلقها قبل أن يدخل بها: أتحل لزوجها الأول؟ فقال رسول الله ﷺ: "لا، حتى يكون [¬٣] الآخر قد [¬٤] ذاق [من] [¬٥] عسيلتها وذاقت من عسيلته".
وهكذا [¬٦] رواه ابن جرير، عن محمد بن إبراهيم الأنماطي، عن هشام بن عبد الملك، حدّثنا محمد بن دينار، فذكره.
(قلت): ومحمد بن دينار "بن صندل" أبو بكر الأزدي ثم الطاحي [¬٧] البصري، ويقال له ابن أبي الفرات: اختلفوا فيه فمنهم من ضعفه، ومنهم من قواه وقبله وحسن له. وذكر [¬٨] أبو داود أنه تغير قبل موته، فالله أعلم.
(حديث آخر): قال ابن جرير (¬١٤٠٧): حدّثنا عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا أبي، حدثنا شيبان، حدثنا يحيي بن أبي كثير، عن أبي الحارث الغفاري، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله، ﷺ، في المرأة يطلقها زوجها ثلاثًا، فتتزوج زوجًا غيره، فيطلقها قبل أن يدخل بها، فيريد الأول أن يراجعها، قال: "لا حتى يذوق [] [¬٩] عسيلتها".
ثم رواه من وجه آخر عن شيبان، وهو ابن عبد الرحمن، به. وأبو الحارث غير معروف.