به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.
(أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له.
﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ ثانيا، و ﴿الظّالِمُونَ﴾ خبره، فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر: (أولئك)، والجملة الاسمية هذه في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
الشرح: ﴿فَإِنْ طَلَّقَها﴾ أي: الزوج بعد الطّلقتين ثالثة. قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-:
﴿فَإِنْ طَلَّقَها﴾ متعلق بقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ وتفسير لقوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ اعترض بينهم ذكر الخلع، دلالة على أن الطلاق يقع مجانا تارة، وبعوض أخرى. ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي: من بعد الطلقة الثالثة. قال القرطبيّ: احتجّ بعض مشايخ خراسان من الحنفية بهذه الآية على أنّ المختلعة يلحقها الطلاق، قالوا: فشرع الله سبحانه صريح الطلاق بعد المفاداة بالطلاق.
﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ:﴾ نكاحا صحيحا بشروطه جميعها، وبعد انقضاء عدتها من المطلق. ﴿فَإِنْ طَلَّقَها﴾ أي: الزوج الثاني. ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا:﴾ فلا إثم، ولا مؤاخذة أن يرجع كلّ من المرأة والزوج الأول إلى بعضهما بعد انقضاء عدتها من الثاني، وذلك بعقد جديد، ومهر جديد، ووليّ وشاهدين.
﴿إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما..﴾. إلخ؛ أي: إن رأى كلّ من الزّوجين صلاح حاله، وأنّه يقوم بحق الآخر عليه، وأمّل كلّ منهما حياة هانئة مع الآخر. ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُها:﴾ يوضّحها. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: الحقّ، وفيهم إيمان، وخوف من الله، وإنما خص أهل العلم بالذكر؛ لأن الجاهل إذا كثر له أمره، ونهيه؛ فإنه لا يحفظه، ولا يتعاهده، والعالم يحفظ، ويتعاهد، فلهذا المعنى خاطب العلماء، ولم يخاطب الجهّال.
هذا؛ وقال ابن خويز منداد: واختلف أصحابنا: هل على الزوجة خدمته أو لا؟ فبعضهم لم يكلفها خدمته، وإنما قصر أمرها على الاستمتاع بها. أقول: والحقّ: أن هذا يعود إلى حال الزّوج عسرا، ويسرا، وإلى البيئة، فكثير من الناس كانوا فقراء، وكانوا يخدمون غيرهم، فدالت الأيام لهم، فصار عندهم عبيد، وإماء، وخدم، وحشم. وكثير كانوا يخدمون، فدالت الأيام عليهم، والدهر ذو تقلب. وقد جرى عرف المسلمين في بلدانهم في قديم الأمر، وحديثه بما
ذكرت، ألا ترى: أنّ أزواج النبي ﷺ وأصحابه كن يتكلّفن الطّحين، والخبيز، والطبيخ، وفرش الفراش، وتقريب الطعام، وأشباه ذلك، ولا نعلم امرأة امتنعت من ذلك، ولا يسوغ لها الامتناع، بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصّرن في ذلك، وقول فاطمة الزهراء-﵂:
«طحنت حتّى مجلت يداي» مشهور. والرسول ﷺ اعتبرها مجاهدة؛ إذا قامت بشئون بيتها، وتربية أولادها، فالمغزل في يدها كالسّيف في يد زوجها، وخذ ما يلي:
عن ابن عباس-﵄-قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إنّي وافدة النساء إليك؛ هذا الجهاد كتبه الله على الرّجال، فإن يصيبوا؛ أجروا، وإن قتلوا؛ كانوا أحياء عند ربهم يرزقون، ونحن معشر النساء نقوم عليهم، فما لنا من ذلك؟.
فقال رسول الله ﷺ: «أبلغي من لقيت من النّساء: أنّ طاعة الزّوج، واعترافا بحقّه يعدل ذلك، وقليل منكنّ يفعله». رواه الطّبرانيّ، والبزار.
بعد هذا أذكر: أنّ تزوج المرأة بالزّوج الثاني لا بدّ من الدّخول فيها على مذهب الجمهور، وأنّه لا يكفي العقد عليها؛ لما روى البخاريّ، ومسلم عن عائشة-﵂-قالت:
جاءت امرأة رفاعة القرظي، واسمها تميمة، وقيل: عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك القرظي، وكانت عند ابن عمها رفاعة بن وهب بن عتيك القرظي، فطلقها ثلاثا، وتزوجت غيره، فجاءت للنبي ﷺ وقالت: يا رسول الله كنت عند رفاعة، فطلقني، فبتّ طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزّبير-بفتح الزاي المشددة-وإنما معه مثل هدبة الثّوب، فتبسّم الرّسول ﷺ، وقال:
«أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟» قالت: نعم. قال: «لا؛ حتّى يذوق عسيلتك، وتذوقي عسيلته» وأبو بكر جالس.
فإذا علم الزّوج من نفسه: أنّه لا يقدر أن يقوم بحقوق الزوجة المادية، والمعنوية؛ فلا يحل له الإقدام على خطبة أنثى، والعقد عليها؛ حتّى يبيّن لها، وكذلك يجب على المرأة إذا علمت من نفسها العجز عن قيامها بحقوق الزوج، أو كان بها علّة تمنع الاستمتاع بها، ومتى وجد أحد الزوجين بصاحبه عيبا؛ فله الردّ، فإن كان العيب بالرّجل؛ فلها الصداق إن كان دخل بها، وإن لم يدخل بها؛ فلها نصفه، وإن كان العيب بالمرأة؛ ردّها الزوج، وأخذ ما أعطاها من الصّداق، فقد روي: أنّ النبيّ ﷺ تزوج امرأة من بني بياضة، فوجد بكشحها برصا، فردّها، وقال: «دلّستم عليّ». ومن المنصوص عليه في الفقه من العيوب: الجنون، والجذام، والبرص، والرّتق، والقرن، وأذكر من العيوب هنا: أنه إذا تزوجها بكرا، فوجدها ثيبا، أو كانت لا تأتيها العادة الشّهرية منتظمة-وهذا قد يمنع الحمل-ففي هاتين الحالتين إن وطئها تكن الحقوق بالمصالحة، والتّسامح. والله أعلم.
هذا؛ والحكمة من تزوّج المرأة بالزّوج الثاني الزّجر، والرّدع عن التّسرّع إلى الطلاق، والنفور منه، ومن العود إلى المرأة المطلقة ثلاثا، والرغبة فيها. والنكاح بشرط التحليل فاسد
عند الشّافعي، وأحمد، ومالك. ولو تزوجها، ولم يشترط في العقد: أنه يفارقها؛ فالنّكاح صحيح، ويحصل به التّحليل إذا طلّقها، وانقضت العدّة، غير أنه يكره إذا كان في عزمهما ذلك.
وبه قال الشّافعي، وأبو حنيفة.
هذا وقد لعن الرسول ﷺ: «المحلّل، والمحلّل له». فخذه بما يلي: عن جابر-﵁: أن رسول الله ﷺ، قال: «لعن الله المحلّل، والمحلّل له». رواه الترمذيّ. وعن عقبة بن عامر-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أخبركم بالتّيس المستعار؟!» قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «هو المحلّل، والمحلّل له». رواه ابن ماجة. وعن عمر بن نافع عن أبيه: أنه قال: جاء رجل إلى ابن عمر-﵄، فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا، فتزوّجها أخ له من غير مؤامرة منه، ليحلّها لأخيه، هل تحلّ للأول؟ فقال: لا؛ إلا نكاح رغبة، كنّا نعدّ هذا سفاحا على عهد رسول الله ﷺ. رواه الحاكم في المستدرك.
هذا؛ والطلاق سلاح شرعه الله حينما يستفحل النزاع بين الزوجين، ويبدو أن لا وفاق بينهما، والنّصارى الذين كانوا لا يبيحونه قطعا أدركوا حكمة الطلاق؛ فأباحوه في هذه الأيام، وحكمت به محاكمهم، ووقعت الفرقة بين كثير من الأزواج عندهم، ولكن الكثير من المسلمين قد أساءوا استعمال هذا السّلاح في هذه الأيام، كما هو مشاهد، وواقع. فلا حول، ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم!
الإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (إن): حرف شرط جازم، ﴿طَلَّقَها:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل محذوف لدلالة المقام عليه، و (ها):
مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، انظر الشرح. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا):
نافية. ﴿تَحِلُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى المرأة المطلقة. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط، و (إن) ومدخولها كلام مفرع عما قبله لا محل له. ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من الفاعل المستتر، وقد يبنى (﴿بَعْدُ﴾) على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿تَنْكِحَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة، والفاعل محذوف لدلالة المقام عليه، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿تَحِلُّ،﴾ وساغ ذلك لاختلاف معاني الحروف. ﴿زَوْجاً:﴾ مفعول به. ﴿غَيْرَهُ:﴾
صفة: ﴿زَوْجاً﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والإضافة للضمير لا تزيده تعريفا لشدة إبهامه.
هذا؛ ولا يخفى عليك بعد هذا الإعراب إعراب: ﴿فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾. والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُقِيما﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في مراجعتهما، والجار