عليه ما قبلها، وتكون ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مؤكّد لمضمون الشرط السابق. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به.
﴿آتَيْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: الذي آتيتموهن إيّاه نقدا. ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٢٣١] إفرادا وجملا. ﴿بِما﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿بَصِيرٌ﴾ بعدهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية.
﴿تَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محلّ جر بالباء، التقدير: بعلمكم. ﴿بَصِيرٌ:﴾ خبر: ﴿أَنْ﴾.
الشرح: لمّا ذكر الله ﷿ عدّة الطلاق، واتصل بذكرها ذكر الإرضاع؛ ذكر عدّة الوفاة أيضا؛ لئلا يتوهم: أنّ عدة الوفاة مثل عدّة الطلاق، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ..﴾. إلخ.
وأصل التوفّي أخذ الشّيء وافيا، فمن مات؛ فقد استوفى عمره كاملا، ورزقه، قال الرسول ﷺ:
«يا أيّها النّاس اتّقوا الله، وأجملوا في الطّلب، فإنّ نفسا لن تموت حتّى تستوفي رزقها، وإن أبطأ عنها، فاتّقوا الله، وأجملوا في الطّلب، خذوا ما حلّ، ودعوا ما حرم». أخرجه ابن ماجة، والحاكم عن جابر ﵁. هذا؛ ويقرأ الفعل بالبناء للمجهول، وبالبناء للمعلوم، بمعنى:
يستوفون آجالهم.
﴿وَيَذَرُونَ أَزْواجاً:﴾ المراد بالأزواج هنا: النّساء؛ لأنّ العرب تطلق اسم الزوج على المرأة، والرجل، كما رأيت في الآية رقم [٢٥]. ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ انظر [٢٢٨] ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً:﴾
أي: وعشرة أيام، وإنّما قال: وعشرا؛ لأنّ العرب إذا أبهمت العدد من الليالي، والأيام؛ غلّبوا الليالي، حتى إنّ أحدهم ليقول: صمت عشرا من الشهر؛ لكثرة تغليبهم الليالي على الأيام؛ فإذا أظهروا الأيام؛ قالوا: صمنا عشرة أيام. وقيل: إن هذه الأيام أيام حزن، ولبس إحداد؛ فشبّهها بالليالي على سبيل الاستعارة.
ووجه الحكمة في أنّ الله تعالى حدّ العدة في هذا القدر؛ لأن الولد يتحرك في بطن أمه لنصف مدّة الحمل، وقيل: إنّ الروح ينفخ في الولد في هذه العشرة أيام. ويدلّ على ذلك ما روي
عن ابن مسعود-﵁-قال: حدثنا رسول الله ﷺ، وهو الصادق المصدوق: «أنّ خلق أحدكم يجمع في بطن أمّه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكا، يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيّ، أو سعيد، ثم ينفخ فيه الرّوح». أخرجاه في الصّحيحين بزيادة. فدلّ هذا الحديث على أنّ خلق الولد يجتمع في مدة أربعة أشهر، ويتكامل خلقه بنفخ الروح فيه في هذه الأيام الزائدة.
وهذا الحكم يشمل الزّوجات المدخول بهنّ، وغير المدخول بالإجماع، ومستنده في غير المدخول بها عموم الآية، وهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد، وأهل السّنن: أنّ ابن مسعود ﵁-سئل عن رجل تزوج امرأة، فمات عنها، ولم يدخل بها، ولم يفرض لها مهرا، فتردّدوا إليه مرارا في ذلك، فقال: أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا؛ فمن الله، وإن كان خطأ فمنّي، ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه: لها الصّداق كاملا. وفي لفظ: لها صداق مثلها، ولا وكس، ولا شطط، وعليها العدّة، ولها الميراث. فقام معقل بن يسار الأشجعي-﵁-فقال: سمعت رسول الله ﷺ قضى به في «بروع بنت واشق» ففرح عبد الله-﵁ بذلك فرحا شديدا.
ولا يخرج من ذلك إلا المتوفى عنها زوجها، وهي حامل، فإن عدّتها بوضع الحمل، لقوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ سورة (الطلاق). وكان ابن عباس-﵄-يرى: أن عليها أن تتربّص بأبعد الأجلين: من الوضع، أو من أربعة أشهر، وعشر، للجمع بين الآيتين، وهذا مسلك جيد، ومأخذ قويّ، لولا ما ثبتت به السنة في حديث سبيعة الأسلمية-﵂-المخرج في الصّحيحين من غير وجه: أنّها توفي عنها زوجها سعد بن خولة، وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلّت من نفاسها؛ تجمّلت للخطّاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك-﵁-فقال لها: ما لي أراك متجمّلة لعلك ترجين النّكاح؟ والله ما أنت بناكح؛ حتى يمرّ عليكم أربعة أشهر، وعشر! قالت-﵂: فلمّا قال لي ذلك؛ جمعت علي ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ، فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوّج؛ إن بدا لي. قال أبو عمر بن عبد البر: وقد روي أنّ ابن عباس رجع إلى حديث سبيعة، لما احتجّ به عليه، ويصحح ذلك عنه: أنّ أصحابه أفتوا بحديث سبيعة، كما هو قول أهل العلم قاطبة. انتهى. مختصر ابن كثير. هذا؛ وسعد بن خولة-﵁-من بني عامر، وكان من أهل بدر، توفي في حجّة الوداع، وأبو السّنابل-﵁-من بني عبد الدار. هذا؛ وقال ابن شهاب: ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت، وإن كانت في دمها غير أنّه لا يقربها حتى تطهر.
هذا؛ ويجب على من توفي عنها زوجها الإحداد، وهو ترك الزينة، والطّيب، ودهن الرأس بكلّ دهن، والكحل المطيّب، فإن اضطرت إلى كحل فيه زينة؛ فيرخص لها. وبه قال مالك،
وأبو حنيفة، وقال الشّافعي: تكتحل به باللّيل، وتمسحه بالنّهار. عن أم سلمة-﵂ قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ حين توفي أبو سلمة، وقد جعلت عليّ صبرا، فقال: «ما هذا يا أمّ سلمة؟» فقلت: إنّما هو صبر يا رسول الله! ليس فيه طيب، فقال: «إنه يشبّ الوجه، فلا تجعليه إلا باللّيل. وتنزعينه بالنّهار. ولا تمتشطي بالطّيب، ولا بالحنّاء؛ فإنّه خضاب». قلت:
بأيّ شيء أتمشّط يا رسول الله! قال: «بالسّدر تغلّفين به رأسك». أخرج أبو داود، والنّسائي نحوه، ومعنى يشبّ الوجه: يحسّنه، وينوّره. والسّدر: يشبه الشّجر المسمّى في بلادنا بالغار.
وعن زينب بنت أبي سلمة، قالت: دخلت على أمّ حبيبة زوج النبي ﷺ حين توفي أبوها أبو سفيان، فدعت بطيب، فيه صفرة خلوق، أو غيره، فدهنت به جارية، ثم مست بعارضيها، ثمّ قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: «لا يحلّ لامرأة، تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلاث إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشرا».
قالت زينب-﵂: ثمّ دخلت على زينب بنت جحش-﵂-حين توفي أخوها، فدعت بطيب، فمسّت منه، ثم قالت: والله ما لي بالطّيب من حاجة غير أنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشرا». متفق عليه.
هذا؛ ومن الإحداد أن لا تخرج من بيتها حتى تنتهي عدّتها كالمطلقة، وثبت: أنّ النّبي ﷺ قال للفريعة بنت مالك بن سنان: «امكثي في بيتك حتّى يبلغ الكتاب أجله» وكانت متوفى عنها زوجها. أخرجه مالك في موطئه عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة.
هذا؛ وتخرج المعتدّة من مسكنها لقضاء حوائجها؛ إذا لم يكن لها من يقضيها لها، ولا يجوز لها المبيت إلا في بيت عدّتها إلا إذا خافت على نفسها، أو مالها، فعند ذلك يجوز لها ذلك. هذا؛ والمطلقة طلاقا رجعيّا تنتقل إلى عدّة الوفاة، وترثه، بخلاف البائنة، والمطلقة ثلاثا، فلا تنتقلان إلى عدّة الوفاة، ولا ترثان، كما إذا ماتتا، فلا يرثهما أيضا.
تنبيه: هذه الآية ناسخة لحكم الآية رقم [٢٤٠] وإن كانت متأخّرة بالتّرتيب، لكنّها متقدّمة بالنزول، كما ستقف عليه.
﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ:﴾ انقضت عدّتهن يقينا. واختلفوا في المرأة يبلغها وفاة زوجها، أو طلاقه، فقالت طائفة من الصّحابة والتابعين: العدّة في الطلاق، والوفاة من يوم يموت، أو يطلق. وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، وقالت طائفة من الصّحابة، والتابعين:
إنّ عدتها من يوم يبلغها الخبر. والصّحيح الأوّل؛ لأنّ الله تعالى علّق العدّة بالوفاة، أو الطلاق، ولأنّها لو علمت بموته، فتركت الإحداد عمدا، انقضت عدّتها، فإذا تركته مع عدم العلم؛ فهو أهون. والمعنى: أنّ العدة لا تقضى. والله أعلم.