﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يُوعَظُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع نائب فاعل. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص واسمه يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ تقديره: هو. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿كانَ﴾ على قول من يجيز التعليق بالفعل الناقص، أو هما متعلقان بما بعدهما. ﴿يُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿بِاللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْيَوْمِ:﴾ معطوف على (﴿اللهُ﴾). ﴿الْآخِرِ﴾ صفة (﴿الْيَوْمِ﴾)، وجملة: (﴿يُؤْمِنُ..﴾.) إلخ في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محلّ لها.
﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السّكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿أَزْكى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر.
﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿أَزْكى﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف صفة له. وليس بشيء. ﴿وَأَطْهَرُ:﴾
معطوف على ﴿أَزْكى،﴾ وحذف متعلقه اكتفاء بسابقه، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمْ أَزْكى﴾ مؤكدة للأولى وهو أولى من اعتبارها بدلا منها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾
فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾)، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال مؤكدة لمضمون ما قبلها. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.
الشرح: لمّا ذكر الله تعالى جملة من الأحكام المتعلّقة بالنكاح، والطلاق، والعدة، والرّجعة، والعضل؛ ذكر في هذه الآية الكريمة حكم الرّضاع؛ لأنّ الطلاق يحصل به الفراق، وقد يطلّق الرّجل زوجته، ويكون لها منه طفل ترضعه، وربما أضاعت الطفل، أو حرمته الرضاع انتقاما من الزوج، وإيذاء له في ولده، لذلك وردت هذه الآية لندب الوالدات المطلّقات إلى رعاية الأطفال، والاهتمام بشأنهم.
﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ﴾ أي: ليرضعن، فهو خبر بمعنى الأمر، وهذا الأمر للندب، وللوجوب، فالأوّل عند وجود ثلاثة شروط: قدرة الأب على الاستئجار، ووجود غير الأم، وقبول الولد للبن غيرها، وللوجوب عند فقد واحد منها. هذا؛ وإن تربية الطفل بلبن الأم أصلح من غيرها، لكمال شفقتها عليه، ويدلّ على أنه لا يجب على المرأة إرضاع ولدها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ولو وجب عليها الرضاع؛ لما استحقّت الأجرة. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ سورة (الطلاق) هذا نصّ صريح في ذلك، انظر شرح الآية هناك، فإنه جيد، والحمد لله!.
﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ:﴾ الحول، والعام، والسّنة بمعنى واحد، والحول: من: (حال): إذا انقلب من حال إلى حال، و ﴿كامِلَيْنِ:﴾ توكيد؛ لأنّه مما يتسامح فيه، فيقال: أقمت عند فلان يومين -والقائل يريد يوما وبعض اليوم الآخر-كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وقد مرّ في الآية رقم [٢٠٣]. ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: وعلى الأب نفقة الوالدات المطلّقات، وكسوتهن بما هو متعارف عليه بدون إسراف، ولا تقتير لتقوم بخدمة الولد حقّ القيام، وإنما عبر سبحانه بهذا؛ لأن الوالدات إنما ولدن للآباء، ولذلك ينسب الولد للأب دون الأم، وينسب للمأمون ما يلي: [البسيط]
لا تزدرين فتى من أن يكون له... أمّ من الرّوم أو سوداء عجماء
هذا ولم تحذف النون من (تزدرين) مع كونه مجزوما ب (لا) الناهية لضرورة الشعر.
والهاء في (له) عائدة على (ال) لأنّ المعنى: الذي يولد له، وهو الوالد. هذا؛ والرضاع المحرّم هو الذي يكون في حدود الحولين، وبعدهما لا تحريم بالرّضاع، كما رأيته في الآية رقم [٢٣] من سورة (النساء).
﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعَها:﴾ إلا طاقتها، ومقدرتها على الإنفاق، والمعنى: أن أبا الولد لا يكلّف في الإنفاق عليه، وعلى أمّه إلا ما قد تتّسع به مقدرته، كذلك لا تكلف المرأة الصّبر على التقتير في الأجرة، بل يراعى القصد، والاعتدال، وفي هذه الأيام القاضي الشّرعي هو الذي يقرّر نفقة المطلقة، ونفقة الولد حسب دخل الرّجل الشّهري، هذا، وكثيرا ما نسمع من ويلات الطلاق من قبل الفاسقين، والفاسدين؛ الذين ينكحون ثانية، وثالثة، ويتركون الأولى، ويدعون لها أولادها بدون إنفاق عليها، وعلى أولادهم؛ سواء طلّقوا، أم لم يطلقوا! فلا حول ولا قوة إلا بالله!.
هذا؛ وفي هذه الآية دليل على أنّ الحضانة للأم، ويقدر مدّتها في هذه الأيام القاضي الشرعي، والرّسول ﷺ قال للأم: «أنت أحقّ به ما لم تنكحي». فقد روى أبو داود عن
الأوزاعي، قال: حدّثني عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدّه عبد الله بن عمرو: أنّ امرأة جاءت إلى النبيّ ﷺ، فقالت: يا رسول الله! إنّ ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلّقني، وأراد أن ينتزعه منّي. فقال لها رسول الله ﷺ: «أنت أحقّ به ما لم تنكحي». وخذ ما يلي هذه الطّرفة:
فقد روى القالي في أماليه عن أبي عبيدة، قال: جرى بين أبي الأسود الدّؤلي وامرأته كلام في ابن لها منه، وأراد نزعه منها، فصارا إلى زياد بن أبيه، وهو والي البصرة، فقالت المرأة:
أصلح الله الأمير، هذا ابني، كان بطني وعاءه، وحجري فناءه، وثديي سقاءه، أكلؤه إذا نام، وأحفظه إذا قام، فلم أزل بذلك سبعة أعوام، حتّى إذا استوفى فصاله، وكملت خصاله، واستوكعت أوصاله، وأمّلت نفعه، ورجوت خيره أراد أن يأخذه كرها، فآوني أيها الأمير، فقد رام قهري، وأراد قسري. فقال أبو الأسود: أصلحك الله، هذا ابني حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، أنا أقوم في أدبه، وأنظر في أوده، وأمنحه علمي، وألهمه حلمي، حتى يكمل عقله، ويستحكم فتله. فقالت المرأة: أصلحك الله، حمله خفّا، وحملته ثقلا، وضعه شهوة، ووضعته كرها. فقال زياد: ردّ على المرأة ولدها، فهي أحقّ به منك، ودعني من سجعك. انتهى. فإن تزوّجت المطلقة؛ فأمّها أحقّ بحضانة أولادها الصّغار.
﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ أي: لا يضرّ الوالدان بالولد، فيفرطا في تعهّده، أو يقصّرا في ما ينبغي له، أو يضارّ أحدهما الآخر، بسبب الولد، فترفض الأمّ إرضاعه؛ لتضرّ أباه بتربيته، أو ينتزع الأب الولد منها إضرارا بها؛ مع رغبتها في إرضاعه، ليغيظ أحدهما صاحبه. وإضافة الولد لكلّ منهما في الموضعين للاستعطاف.
﴿وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ:﴾ اختلفوا في تأويله، فقال عمر بن الخطاب-﵁ وغيره: المراد: وارث أبي الصّبيّ، فعليه أن ينفق على الطّفل، وعلى والدته التي ترضعه، وتحضنه من غير تقصير، ولا إفراط، ولا تفريط. وهو قول الجمهور، وقد استدلّ الحنفيّة، والحنابلة بذلك على وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض؛ سواء كانوا من جهة الأب، أو من جهة الأم، كما في المواريث، ويرجح ذلك بحديث الحسن عن سمرة مرفوعا: «من ملك ذا رحم محرم؛ عتق عليه». وقيل: المراد: وارث الصّبيّ إذا مات. وقيل: المراد: الوارث هو الصّبيّ نفسه؛ أي: عليه إذا ورث أباه بعد موته إرضاع نفسه من المال الذي ورثه.
﴿فَإِنْ أَرادا﴾ أي: الأب، والأم. ﴿فِصالاً:﴾ فطاما للولد. ﴿عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ﴾ أي: عن اتفاق بينهما على فطامه قبل الحولين، ورأيا في ذلك مصلحة له، وتشاورا في ذلك، وأجمعا عليه، فلا مؤاخذة، ولا إثم عليهما. فيؤخذ منه: أنه لا يجوز لأحدهما أن يستبدّ بفطامه دون مشاورة الآخر. وفي هذا احتياط لمصلحة الطفل، وإلزام للنظر في أمره، وهو من رحمة الله