بمعنى: موسع، على طريقة حذف الزوائد، كقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر ٢٢/ ١٥] بمعنى ملقحات.
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ استفهام مفاده: ألم ينته إلى علمك خبر الملأ: وهم الجماعة الأشراف أو القوم، سموا بذلك لأنهم يملئون العيون رهبة إذا اجتمعوا. والنّبي: هو شمويل معرّب صمويل أو صموئيل ﴿اِبْعَثْ﴾ أقم لنا ملكا نقاتل معه في سبيل الله لتنتظم به كلمتنا ونرجع إليه. ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾ أراد بالاستفهام، التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه، كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ﴾ [الإنسان ١/ ٧٦] معناه التقرير و ﴿أَلاّ تُقاتِلُوا﴾: خبر عسى ﴿وَما لَنا أَلاّ نُقاتِلَ﴾: وأيّ داع لنا إلى ترك القتال وأي غرض لنا فيه. ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا﴾ أي بسبيهم وقتلهم، وقد فعل بهم ذلك قوم جالوت، أي لا مانع من القتال مع وجود مقتضيه، وذلك أن قوم جالوت كانوا يسكنون على ساحل البحر المتوسط بين مصر وفلسطين، فأسروا أربعمائة وأربعين.
﴿تَوَلَّوْا﴾ عنه وجبنوا ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ وهم الذين عبروا النهر مع طالوت. قيل: كان عددهم ثلثمائة وثلاثة عشر، على عدد أهل بدر.
﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ وعيد لهم على ظلمهم في القعود عن القتال وترك الجهاد، فهو مجازيهم، وسأل النّبي ربه إرسال ملك، فأجابه إلى إرسال طالوت.
﴿أَنّى﴾ كيف ومن أين، وهو إنكار لتملكه عليهم واستبعاد له ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ لأنه ليس من سبط المملكة ولا النّبوة، وكان دباغا أو راعيا. والواو في ﴿وَنَحْنُ﴾ للحال، وفي ﴿وَلَمْ يُؤْتَ﴾ لعطف الجملة على الجملة الواقعة حالا، والمعنى: كيف يتملك علينا؟ والحال أنه لا يستحق التملك، لوجود من هو أحق بالملك، وأنه فقير، ولا بد للملك من مال يعتضد به، وإنما قالوا ذلك لأن النّبوة كانت في سبط لاوي بن يعقوب، والملك في سبط يهوذا، ولم يكن طالوت من أحد السبطين، ولأنه كان رجلا سقاء أو دباغا فقيرا.
وطالوت: معرب شاول، لقب به لطوله.
﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ﴾ يستعين بها على إقامة الملك.
﴿اِصْطَفاهُ﴾ اختاره للملك ﴿بَسْطَةً﴾ سعة ﴿فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ وكان أعلم بني إسرائيل يومئذ وأجملهم وأتمهم خلقا، وكان أطول من كل الشعب، وبسطة الجسم: عظمه وامتداده.
والظاهر: أن المراد بالعلم: المعرفة بما طلبوه لأجله من أمر الحرب، ويجوز أن يكون عالما بالديانات وبغيرها، فمقومات الملك وهي العلم والجسامة متوافرة فيه، لأن الجاهل مزدرى غير منتفع به، والجسيم أعظم في النفوس وأهيب في القلوب.
المناسبة:
قال البقاعي: ولعل ختام بني إسرائيل بهذه القصة، لما فيها للنبي ﷺ من واضح الدلالة على صحة رسالته، لأنها مما لا يعلمه إلا القليل من حذاق علماء بني إسرائيل (¬١).
وبعد أن بيّن الله تعالى في الآيات السابقة حكمة تشريع القتال لحماية الحق وصون عزة الأمة وكرامتها، بيّن هنا قصة قوم من بني إسرائيل أخرجوا من ديارهم وأبنائهم بالقهر، كما خرج أصحاب القصة الأولى بالجبن، لكن جاءت هذه القصة مفصلة تبين ما في القصة الأولى المجملة.
والهدف من هذه الآيات البيان للمؤمنين بأن القتال كان مطلوبا مشروعا في الأمم السابقة، فليس حكما مخصوصا بهم (¬٢).
التفسير والبيان:
ألم ينته إلى علمك قصص جماعة من بني إسرائيل بعد موسى في عصر داود ﵉، حين قالوا لنبيهم، قيل: إنه «صمويل»: اختر لنا قائدا للحرب وجمع الكلمة، فإنا صممنا على طرد أعدائنا واسترداد حقوقنا المغتصبة، ولا شك أن طرد العدو من البلاد قتال في سبيل الله، كما قال الله تعالى: ﴿فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [النساء ٨٤/ ٤] وقال سبحانه: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ:﴾
ولكن نبيهم بسبب معرفته لهم وتجربته معهم قال لهم: أتوقع منكم التخلي عن القتال إن فرض عليكم، فردوا عليه: أي شيء يدعونا إلى ترك القتال، وقد أخرجنا من ديارنا وأوطاننا، ومنعنا من أبنائنا، واغتربنا عنهم؟! فلما فرض عليهم القتال كما طلبوا، تخلفوا عن الجهاد وجبنوا وأعرضوا إلا قليلا منهم، عبروا النهر مع طالوت، وانتحلوا المعاذير، ولكن الله عليم بالذين يظلمون أنفسهم، بتركهم الجهاد في سبيل الله، دفاعا عن أمتهم ووطنهم، وردا لحقهم المغتصب، فصاروا أذلة في الدنيا، معذبين في الآخرة.
ثم أوضح القرآن ما دار من نقاش بين شيوخ بني إسرائيل وبين نبيهم صمويل، إذ طلبوا منه أن يختار لهم ملكا، لأن أهل فلسطين تسلطوا عليهم، وقتلوا منهم العدد الكثير، وأخذوا تابوت عهد الرب، وكانوا من قبل يستفتحون به (يطلبون الفتح والنصر به) على أعدائهم.
فقالوا: كيف يكون ملكا علينا؟ وهو لا يستحق هذا الملك، لأنه ليس من سلالة الملوك ولا من سلالة الأنبياء، وقد كان الملك في سبط يهوذا بن يعقوب، ومنهم داود وسليمان، وكانت النّبوة في سبط لاوي بن يعقوب، ومنهم موسى وهرون، وهناك من هو أحق بالملك منه، ولأنه فقير لا مال له فلا يستطيع الحكم، وهذا قائم على وهم أن الغنى شرط أساسي في الملك، وأن الملك حق موروث، لا يتجاوز أبناء الملوك أو الأشراف، حتى يخضع الناس له، فقولهم ﴿أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا.. ؟﴾ كلام من تعنت وحاد عن أمر الله، وهي عادة بني إسرائيل (¬١).