﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ قيل: هنا جمل محذوفة؛ أي: فجاءهم التابوتُ، وأقرُّوا لطالوتَ بالملك، وتأهَّبوا للخروج، فالفاء فصيحةٌ، والباءُ في ﴿بِالْجُنُودِ﴾ للملابَسة؛ أي: مُلْتبِساً بالجنود، سواءٌ كان ﴿فَصَلَ﴾ لازماً بمعنى: انفصل عن بلده، أو متعدِّياً بمعنى: فصل نفسه عنه، فإنَّ الفصل في المتعدِّيَ والفصولَ في اللازم لغتان؛ مثل: وَقَفَه وَقْفاً ووَقَفَ وُقوفاً.
و (الجنود): جمع الكثرة للجُند، والأجناد: جمع القِلَّة له، والجُنْدُ: الجيش الأشدَّاء، مأخوذٌ من الجَنَد، وهو الأرضُ الغليظة الشديدة (¬١).
رُوي: أنَّهم لمَّا فارَقوا بلدهم سلكوا مفازةً، وكان الوقتُ قيظاً، فسألوا أن يجري اللّه تعالى لهم
نَهَراً قال طالوت:
﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾: مُعاملُكم معاملةَ مختبِرٍ (¬٢) بما اقترحتُموه، وكان في جند طالوتَ المخلِصُ والمنافقُ، فميِّز بينهما بالماء، كالذهب والفضة فيهما الخَبَثُ فيميَّز الخالصُ من غيره بالنار.
﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾؛ أي (¬١): فليس بمتَّصلٍ بي ولا متَّحدٍ معي، من قولهم: فلان منِّي، كأنه (¬٢) بعضه لاختلاطهما واتحادهما، ويجوز أن يراد: فليس من جملتي وأشياعي.
﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ الطُّعْم: الذَّوق، ويقع على الأكل والشرب.
﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ الغَرْف: أخذُ الماء بآلةٍ كالكفِّ، والغَرفة بالفتح: المَرَّة من هذا الفعل، والغُرفة بالضم: قَدْرُ ما يُغرف بالكفِّ من الماء، وأصلُ الغَرف: القطعُ، ومنه الغُرفة التي هي العِلِّيَّةُ قطعة من البناء.
استَثْنَى من الشرب الممنوعِ هذا النوعَ، وإنما قُدمت عليه الجملة الثانية لأن مدلولها مفهومٌ منه بطريق الدلالة، وإنما ذكرت تتميماً للجملة الأولى بما فيها من الترغيب إلى الانتهاء بالنهي المذكور، فحقُّها أن تُذكر عَقيبها قبل الاستثناء المزبور (¬٣)، وطالوت إن كان نبياً فله أن يعرف ذلك بالوحي، وإلا فبالإلهام أو بإخبار من النبي (¬٤).
﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ﴾، أي: فكَرَعوا فيه؛ إذ الأصل في الشرب منه أن لا يكون بواسطةٍ، وتعميمُ الأول ليتَّصل الاستثناء.
وقرئ: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ (¬١) بالنصب على الاستثناء، وبالرفع على أنه تابعٌ للمرفوع قبله (¬٢)؛ لأن الكلام إذا كان موجَباً جاز فيما بعدَ (إلا) النصبُ وهو الأفصح، والإتْباع لمَا قبله إنْ رفعاً فرفعٌ أو نصباً فنصبٌ أو جرًّا فجرٌّ، وليس هذا من مواضع الميل إلى المعنى، والإعراضِ عن اللفظ جانباً (¬٣).
والقليل على ما قيل: كانوا ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلاً.
﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ﴾، أي: قطع طالوتُ النهر.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾؛ أي: القليلُ الذين (¬٤) لم يخالفوه، وفي التعبير عنهم بما ذُكر دلالةٌ على أن المخالِفينَ لم يكونوا مُخلِصين في دعوى الإيمان، وإنما زاد قوله: ﴿مَعَهُ﴾ لإفادة معنى المتابَعة إياه والموافقة له، ولمَّا افترقوا فرقتين قال كلُّ فرقة ما يليق بشأنه، وعدمُ العطف بين القولين لعدم جمعهما مقامٍ واحد، ومساقِ كلامٍ واحد.
﴿قَالُوا﴾؛ أي: الذين انخذلوا، على ما نص عليه ابن عباس ﵄، كأنهم قالوا ما قالوا اعتذاراً في التخلف، وتخذيلاً للمُقْدِمين على القتال.