مبني على حذف حرف العلة، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل تقديره: أنت، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿يَأْتِينَكَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، وهو في محل جزم جواب الأمر، ونون النسوة فاعله، والكاف مفعول به. ﴿سَعْياً:﴾ حال بمعنى: ساعيات، وقيل: مفعول مطلق للفعل قبله؛ لأنّ السعي، والإتيان متقاربان، فكأنّه قال: يأتينك إيتاء. ﴿وَاعْلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف.
(﴿اِعْلَمْ﴾): فعل أمر، وفاعله تقديره: أنت. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ:﴾ خبران ل ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسد مفعولي (﴿اِعْلَمْ﴾)، والكلام كله في محل نصب مقول القول.
تنبيه: قوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (مريم): ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ..﴾. إلخ وقوله في سورة (القصص): ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الأحزاب): ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ،﴾ فقال ابن هشام-طيّب الله ثراه-في هذه الآيات: وهذا كلّه يتخرّج على التعلّق بمحذوف، كما قيل في اللام في: «سعيا لك»، وإما على حذف مضاف، التقدير: فصرهنّ إلى نفسك، واضمم إلى نفسك جناحك... إلخ، وذلك لأنّه لا يتعدّى فعل المضمر إلى ضميره المتّصل إلا في باب «ظنّ» وأورد قول الأعور الشنّي، وهو الشاهد رقم [٢٥٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [المتقارب]
هوّن عليك فإنّ الأمور... بكفّ الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيّها... ولا قاصر عنك مأمورها
وأيضا الشاهد رقم [٢٦٧] و [٢٦٨] من كتابنا المذكور.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾
الشرح: لمّا ذكر الله تعالى في الآيات السابقة: أنّ الناس فريقان: أولياء الله، وهم المؤمنون، وأولياء الطّاغوت، وهم الكافرون، ثمّ أعقبه بذكر نموذج للإيمان، ونموذج للطغيان؛ ذكر هنا ما يرغب في الإنفاق في سبيل الله، وخاصّة في أمر الجهاد لأعداء الله.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ..﴾. إلخ هو على حذف مضاف، التّقدير: مثل نفقة الذين ينفقون ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ في طاعة الله، وفي وجوه الخير التي يحبّها، ويرضاها، والمراد هنا: الجهاد؛ إذ لا يذكر في القرآن لفظ القتال أو الجهاد إلا ويقرن بكلمة ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ،﴾ وفي ذلك دلالة واضحة على أنّ الغاية من الجهاد بالنفس، والمال غاية شريفة نبيلة، هي إعلاء كلمة الله، لا حبّ السيطرة، أو المغنم، أو الاستعلاء في الأرض، أو غير ذلك من الغايات الدنيئة. ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ:﴾ الحبة
Juz 1, halaman 630 ›
اسم جنس لكلّ ما يزرعه ابن آدم، ويقتاته، وأشهر ذلك البرّ، فكثيرا ما يراد بالحبّ، ومنه قول المتلمّس، وهو الشاهد رقم [١٤٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]
آليت حبّ العراق الدّهر أطعمه... والحبّ يأكله في القرية السّوس
وحبّة القلب: سويداؤه، والحبّة بكسر الحاء: بذور البقول ما ليس بقوت، والحبّة بضم الحاء: الحبّ والمحبّة، يقال: نعم، وحبّا، وكرامة، والحبّ بكسر الحاء: الحبيب. ﴿أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ أي: أخرجت ساقا تشعب منه سبع شعب في كلّ واحدة منها سنبلة، وهذا مشاهد في الذّرة، والدّخن، وفي القمح في الأراضي الخصبة، والسّنبلة، والسّبلة بمعنى واحد. وأسند الله تعالى الإنبات إلى الحبّة، لمّا كانت من الأسباب، كما يسند إلى الأرض والماء، والمنبت في الحقيقة هو الله تعالى، فهو إسناد مجازي، ويسمّى المجاز العقلي، وفي الآية تشبيه مرسل مجمل لذكر أداة التشبيه وحذف وجه الشبه.
﴿وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ أي: يزيد على سبعمائة، فيكون مثل المتصدّق مثل الزّارع، إن كان حاذقا في عمله، والبذر جيدا، والأرض خصبة يكون الزّرع أكثر، فكذلك المتصدّق إذا كان صالحا، مخلصا، والمال من حلال، ووضعه عند المستحقّ، فيصير الثواب أكثر، والأجر أعظم، وخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «من تصدّق بعدل تمرة من كسب طيّب، ولا يقبل الله إلاّ الطّيّب، فإنّ الله يقبلها بيمينه، ثمّ يربّيها لصاحبها كما يربّي أحدكم فلوّه حتّى تكون مثل الجبل» رواه الشيخان، وقال تعالى في سورة (النساء) رقم [٤٠] ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾.
﴿وَاللهُ واسِعٌ:﴾ يسع خلقه كلهم بالكفاية والرزق والجود والعطاء، وهو واسع الفضل والرحمة، وقيل: واسع القدرة، والعلم، والرزق. وقيل: هو الغني الّذي وسع جميع مخلوقاته غناه. ﴿عَلِيمٌ:﴾ بأفعال عباده، ما يغيب عنه منها شيء، قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾.
تنبيه: استدل بهذه الآية على أن اتّخاذ الزرع من أجلّ الحرف التي يتخذها الناس، والمكاسب التي يشتغل بها العمال، ولذلك ضرب الله بها المثل لنفقة المؤمن في سبيل الله، فقال جل ذكره: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ..﴾. إلخ، وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ: «ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو بهيمة، أو إنسان إلا كان له صدقة» والزراعة من فروض الكفاية، فيجب على الإمام أن يجبر الناس عليها، وما كان في معناها من غرس الأشجار، حكي عن المعتضد العباسي: أنه قال: رأيت عليّ بن أبي طالب-﵁-في المنام، فناولني المسحاة، وقال: خذها فإنّها مفاتيح خزائن الأرض، وروت عائشة-﵂-عن النبي ﷺ قال: «التمسوا الرّزق في خبايا الأرض».
Juz 1, halaman 631 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.