ويستعمل في مجرد الخروج، يقال: فسقتِ الرطبة عن قشرها.
وشرعًا: هو الخروج عن أمر الله تعالى بارتكاب الكبيرة.
والمراد بالفاسقين هاهنا: الخارجون عن الإيمان؛ لدلالة ما بعده عليه، وقَصْرِ الخسران عليهم، وترتيبُ الضلال على الفسق يدلُّ على كونه مسبَّبًا عن الفسوق (¬١).
﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ منصوبُ المحل صفة لـ (الفاسقين) للذمِّ، أو مبتدأٌ خبرُه ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ويكون بيانًا للفاسقين، وتسجيلًا عليهم بالخسران.
والنقض: الفسخُ وفكُّ التركيب (¬٢)، وأصلُه في طاقات الحبل، واستعمالُه في العهد من باب الاستعارة بالكناية بإيرادِ صفة المستعارِ منه دون إيراده، لينبِّه (¬٣) بالرمز
على أن العهد حبلٌ (¬١) في ثبات الوصلة بين المتعاهدين، وعلى هذا لا يَلزم أن يكون النقضُ مستعمَلًا في معنى الإبطالِ منقولًا عن معناه الأصلي (¬٢)، كما أن استعارة الأسد للشجاع واستعارةَ البحر للعالِم بطريق الكناية (¬٣) لا يلزمها (¬٤) خروج الافتراس والاغتراف عن معناهما الأصليين، بل نقول: مقتضى تلك الاستعارةِ أن يكون ما به الكنايةُ قارًّا في معناه الأصلي حتى يكون من خواصِّ المستعارِ منه حقيقةً.
والعهد: المَوْثِقُ، ولهذا قال في الوصية: عهد الله في كذا، إذا وصَّاه به ووثَّقه عليه، ووضْعُه لِمَا (¬٥) يُحفظ وُيراعى ويُتعهد كالوصية والشرط واليمين، ويقال للدار التي تراعَى والتاريخِ الذي يُحفظ: عهد.
وهذا العهدُ: إمَّا العهدُ المأخوذ بالفعل، وهو الحجَّة القائمة على عباده الدالَّةُ على جميع تصديقه في الإيمان، وعلى هذا أُوِّل قوله تعالى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] أو المأخوذ بالرسل على الأمم بأنهم إذا بُعث إليهم رسول الله المصدَّق بالمعجزات صدَّقوه واتَّبعوه، ولا تكتموا أمره، ولم يخالفوا حُكمه، وإليه (¬٦) أشار بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ الميثاقُ ما وثِّق به العهد من القبول الإلزام والحَلِف وأمثاله، مِفْعَالٌ من الوَثاقة، والأصل في مفعالٍ أن يكون صفةً كمعطارٍ، أو آلةً كمِحْراث.
وقال ابن عطيةَ: اسمٌ بمعنى المصدر (¬١)، ولا نعلم مفعالًا جاء مصدرًا ولا عَدُّوه في أبنيته.
والضمير عائدٌ على العهد إنْ عُني به ما وثِّق به العهد، وعلى الله أو عليه إن عُنيَ به معنى (¬٢) المصدر.
﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ يحتمل كلَّ قطيعة، لكن الظاهر أنه توصيفٌ للفاسقين بأنهم يضيعون حقَّ خَلْقِ الله تعالى بعد توصيفهم بأنهم يضيِّعون حقَّه تعالى، وتضييعُ حقِّه (¬٣) تعالى بنقضِ عهده، وتضييعُ حقِّ خَلْقه بقطيعةِ أرحامهم.
والأمرُ: طلب الفعل ممن هو دونك، وبه سمِّي الأمر الذي هو واحدُ (¬٤) الأمور تسميةً للمفعول به بالمصدر، كأنَّ الداعيَ الذي يدعو إليه ويبعث عليه آمرٌ يأمر به، فهو مأمور به، كما سمي شأنًا، والشأن: الطلب والقصد، يقال: شَأَنْتُ شَأْنه؛ أي: قَصَدْتُ قَصْدَه.
و (أنْ يوصل) مخفوضُ المحلِّ بدلٌ من الضمير في (به) للاشتمال، أو على تقدير اللام.
﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بقطع الزرع والنسل، وهَيْجِ الحروب والفتن، وإحداثِ الهَرْج والمَرْج، ولذلك قصر في قوله: