واعلم أن في (¬١) هذه الآيات دلالةً على شرف الإنسان، ومزيَّةِ العلم وفضلهِ على العبادة، وأنَّه شرطٌ في الخلافة، بل العمدةُ فيها، وأن التعليم يصحُّ إسناده إلى الله تعالى وإن لم يصحَّ إطلاقُ المعلِّم عليه؛ لاشتهاره فيمَن يَحترف بالتعليم وإن لم يكن مختصًا به، على ما يُفصِح عنه تلقيبُ الفارابيِّ بالمعلِّم الثاني.
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ نَظْمُه بما قبلَه من حيث إنَّ في أول هذه الآية كشفَ ما أُجمل في ضمِّ تلك الآية مما نُسب إليهم من كتمان إبليس من الكبرِ والعصيان.
و (إذ) هذه عطفٌ على التي قبلَها إنْ نصَبْتَها بإضمارِ: اذْكُرْ، وإنْ نصبْتَها بـ ﴿قَالُوا﴾ فهذه منصوبةٌ بـ (اذكُرْ) مقدَّرٍ، والواو حينئذٍ عاطفةُ الجملة على الجملة.
ولك أن تقول: إن العامل محذوف بتقدير (¬٢): انقادوا فسجدوا؛ لأن السجود كان ناشئًا عن الانقياد.
وفي ﴿قُلْنَا﴾ خروجٌ عن ضميرِ المتكلِّم المفرَد إلى ضمير الجمع؛ لأن التعظيم (¬٣) من حيث إنه أَدْعى لامتثالِ الأمر من غير بُطءٍ يناسبُ المقام.
﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فيه إيجازٌ ونقلٌ للأمر التعليقيِّ إلى صورة التنجيز اعتبارًا للحاصل، على ما دل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ﴾
سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] فإنه صريحٌ في أن الأمر بالسجود كان قبلَ تسوية خلق آدم ﵇، فلمَّا لم يكن أمرُهم بالسجود (¬١) مرتَّبًا على إنبائهم بالأسماء بل على ظهورِ شأنِ نفخِ الروح في قالبِ آدمَ ﵇، لم يَصلُح (¬٢) أن يكون ذلك اعترافًا بفضله وأداءً لحقِّه واعتذارًا عمَّا قالوا فيه.
قال أبو عمرٍو: يقال: سجد: إذا طأطأ رأسَه وانحنى (¬٣).
فالسجود: التطأطؤُ مع خفضِ الرأس، وبه يفارقُ الركوعَ.
وأمَّا التذلُّلُ فاعتبارُه في مفهومه العُرفيِّ دون اللغويِّ، وقد جاء في المثَل: (أَسْجَدُ مِن هُدْهُدٍ) (¬٤) وليس في سجوده تذلُّلٌ.
وفي الشرع: وضعُ الجبهة على الأرض، ولا يَلزم أن يكون على قَصْدِ العبادة، فإنَّ صلاة المُرائي صلاةٌ حقيقةً وليست على قَصْدِ العبادة.
والسجودُ المأمورُ كان على سبيل التَّكرمة؛ كسجودِ إخوةِ يوسفَ ﵇ له.
وكونُ السجود لله تعالى على أن يكون آدمُ ﵇ قِبلةً يَردُّه قوله تعالى نقلًا
عن إبليس: ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] لأن الاعتراض بكونه طينًا إنما يتَّجه أنْ لو كان مسجودًا حقيقةً لا قبلةً للسجدة (¬١) كالكعبة شرَّفها الله تعالى.
قال الإمامُ أبو منصورٍ: فيه دليل على أن الكتاب نُسخ بالسنَّة، فإن جواز السجود لغير الله تعالى ثبت بقصةِ آدم ﵇، ثم نُسخ ذلك بالخبر (¬٢).
وقيل: هو بيانُ استغنائه عن عبادتهم إياه، وإنكارِه عليهم قولَهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ فقال لهم: لا حاجة إلى عبادتكم وخدمتكم فاخدموا عبدًا من عبادي لم يخدمني كثيرَ خدمةٍ.
﴿فَسَجَدُوا﴾ عن وهب قال: أولُ مَن سجد (¬٣) جبريلُ ﵇، ثم ميكائيلُ، ثم إسرافيلُ، ثم عزرائيلُ، ثم سائرُ الملائكة، وكان ذلك كما نُفخ فيه الروحُ من غيرِ تأخيرٍ بقوله ﷿: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] فإن الفاء للتعقيب بلا تراخٍ.
﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ استثناءٌ متَّصلٌ، لا لأنَّه من جنس الملائكة ولا ينافيه قولُه تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ لأن صنفًا منهم يُطلق عليه الجنُّ على ما دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨]، ولا لأنَّه كان جنيًّا واحدًا بين أظهُر الألوف من الملائكة مغمورًا بهم فغلِّبوا عليه في قوله: ﴿لِلْمَلَائِكَةَ﴾ ثم استُثنيَ منهم استثناءَ واحدٍ منهم؛ لِمَا في قوله تعالى: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥] دلالةٌ على أنَّ تناوُلَ الأمر إياه بطريق الدلالة؛ لأن المعنى: أمرُكَ دائرٌ بين أن تكونَ أدنى من المأمورين بالسجود فيتناولكَ الأمر دلالةً فيلزم الاستكبار،