الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل تقديره: «هو»، يعود إلى (الله). ﴿فَإِنَّها:﴾ الفاء:
حرف صلة، أو هي الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدّر. التقدير: إذا كان هذا فعلهم؛ فإنّها... إلخ. (إنّها): حرف مشبه بالفعل. و (ها): اسمها. ﴿مُحَرَّمَةٌ:﴾ خبر (إنّ). ﴿عَلَيْهِمْ:﴾
جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾ وهما في محل رفع نائب فاعله. ﴿أَرْبَعِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب ﴿مُحَرَّمَةٌ،﴾ أو بالفعل بعده على نحو ما رأيت في التفسير، منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿سَنَةً:﴾ تمييز، والكلام كلّه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿يَتِيهُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ ب: (على) على تعليق الظرف ب: ﴿مُحَرَّمَةٌ:﴾ ومستأنفة لا محلّ لها على تعليق الظرف بالفعل:
﴿يَتِيهُونَ﴾. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَأْسَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف المقصورة، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿عَلَى الْقَوْمِ:﴾
الشرح: المناسبة: لمّا ذكر الله تعالى تمرّد بني إسرائيل، وعصيانهم لأمر الله في قتال الجبّارين؛ ذكر قصّة ابني آدم، وعصيان قابيل لأمر الله، وإقدامه على قتل النّفس البريئة؛ الّتي حرّمها الله، فاليهود اقتدوا في العصيان بأول عاص لله في الأرض، فطبيعة الشرّ، والفساد فيهم مستقاة من ولد آدم الأوّل، فتشابهت القصتان من حيث التمرّد، والعصيان. ثم ذكر الله تعالى عقوبة قطاع الطّريق، والسّرّاق الخارجين على أمن الدولة، والمفسدين في الأرض فيما يأتي من الآيات.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: اقرأ على أهل الكتاب الحاسدين لك. ﴿نَبَأَ:﴾ خبر. ﴿اِبْنَيْ آدَمَ:﴾ هما:
هابيل، وقابيل. و ﴿آدَمَ:﴾ اسم علم أعجمي مشتق من الأدمة بمعنى الأسوة، أو من أديم الأرض، أي من وجهها وترابها، أو من الأدمة بمعنى الألفة، قال سعيد بن جبير-﵁:
إنّما سمي آدم؛ لأنه خلق من أديم الأرض، وإنّما سمي إنسانا؛ لأنّه نسي، وكنيته في الجنة أبو محمد وفي الأرض أبو البشر. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٠] سورة (البقرة) وما بعدها.
وأصله أأدم بهمزتين، قلبت الثانية مدّا مجانسا لحركة الأولى، كما قلبت في: إيمان، فإنّ أصله: إئمان، وكما قلبت في: أومن فإن أصله: أأمن.
هذا؛ و (الحق) ضدّ الباطل، قال الرّاغب-رحمه الله تعالى-: أصل الحق: المطابقة، والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقّه لدورانه على الاستقامة، و (الحقّ) يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة. ذلك؛ ويقال: فعل الله كلّه حق، نحو: الموت حقّ، والحساب حقّ، والجزاء حق... إلخ، ويقال للاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشّيء في نفسه، نحو: اعتقاد زيد في الجنة حقّ. وللفعل، والقول الواقعين بحسب ما يجب، وقدر ما يجب، وفي الوقت الذي يجب، نحو: قولك حقّ، وفعلك حق، ويقال: أحققت ذا؛ أي: أثبته حقا، أو حكمت بكونه حقّا. انتهى. بغدادي.
﴿قُرْباناً:﴾ هو اسم لما يتقرّب به إلى الله تعالى، من ذبيحة، أو صدقة، أو صوم... إلخ، وقيل: هو مصدر، ولذا فإنّه لم يثنّ، أي: لم يقل: قربانين؛ مع كونهما اثنين. ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما:﴾ وهو هابيل، وانظر شرح (أحد) في الآية رقم [١٥٢] من سورة (النساء)، فرفع قربان هابيل إلى الجنة، فلم يزل فيها إلى أن فدي به الذّبيح إسماعيل ﵇. ﴿وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ:﴾ هو قابيل. ﴿قالَ:﴾ أي: قابيل. ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ:﴾ توعّد أخاه هابيل بالقتل لفرط حسده على تقبّل قربانه. ﴿قالَ﴾ أي: هابيل. ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: تقبل الله قرباني لحسن نيّتي، وتقواي. وفيه إشارة إلى أنّ الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه؛ لخبث نيّته، وسوء فعله.
تنبيه: روي: أنّ حوّاء-﵍-كانت تلد لآدم-﵇-بعد هبوطها من الجنة في كل بطن غلاما، وجارية إلا «شيثا» ﵇، فإنّها وضعته مفردا عوضا عن هابيل بعد قتله، وجملة أولادهما تسعة وثلاثون في عشرين بطنا، عشرون من الذكور، وتسعة عشر من الإناث أوّلهم قابيل، وتوأمته إقليما، وآخرهم عبد المغيث وتوأمته أم المغيث، ثم بارك الله في نسل آدم، فلم يمت؛ حتى رأى ولده، وولد ولده قد بلغوا أربعين ألفا، وكان إذا كبر أولاده؛ زوّج غلام هذا البطن جارية البطن الآخر؛ لأنّه لم يكن نساء إلا أخواتهم، واستمرّ ذلك حتّى عهد نوح، عليه الصّلاة، والسّلام، فنسخ ذلك بتحريم الأخت مطلقا.
فلمّا كبر قابيل، وهابيل، وكان الأوّل أكبر من الثاني بسنتين أمر آدم أن يزوج قابيل لبودا أخت هابيل، وأن يزوج هابيل إقليما أخت قابيل، وكانت أجمل من لبودا، فذكر آدم ذلك لهما، فرضي هابيل، وسخط قابيل، وقال: هي أختي، وأنا أحق بها، فقال له أبوه: إنّها لا تحلّ لك.
فأبى، وقال: إن الله لم يأمرك بهذا، وإنّما هو رأيك، فقال لهما: قربا لله قربانا، فأيكما تقبّل قربانه؛ فهو أحق بها، وكانت القرابين إذا قبلت؛ نزلت نار بيضاء من السماء فأكلتها، وإن لم تكن مقبولة؛ لم تنزل النار، بل تأكلها الطيور، والسباع، فخرجا من عند آدم؛ ليقربا القربان، وكان قابيل صاحب زرع، فقرب صبرة من طعام رديء، وأضمر في نفسه: لا أبالي: قبل، أم لم يقبل؟ لا يتزوج أختي أحد غيري، وكان هابيل صاحب غنم، فعمد إلى أحسن كبش في غنمه،
وأضمر في نفسه ابتغاء مرضاة الله، فوضعا قربانيهما على جبل، ثمّ دعا آدم، فنزلت نار من السّماء، فأكلت قربان هابيل، فغضب قابيل، وأضمر الشرّ في نفسه إلى أن حجّ آدم كعبة الله في مكة المكرمة، فأتى هابيل، وهو في غنمه، وقال: لأقتلنّك؛ لأنّ الله تقبّل قربانك، وردّ قرباني، فقال هابيل: وما ذنبي إنّما يتقبل الله من المتّقين... إلخ.
قال المرحوم عبد الوهاب النجار في كتابه: (قصص الأنبياء): وبجبل قاسيون شمالي دمشق مغارة الدّم، مشهورة بأنّها المكان الذي قتل قابيل أخاه هابيل عنده، ثم قال: وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة أحمد بن كثير، غير الحافظ: أنّه رأى النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر، وهابيل، أي: في المنام، وأنّه استحلف هابيل: أنّ هذا دمه، فحلف له، وذكر: أنّه سأل الله تعالى أن يجعل هذا المكان يستجاب عنده الدّعاء، فأجابه إلى ذلك، وصدقه الرسول ﷺ وقال: إنّه، وأبا بكر، وعمر يزورون هذا المكان كلّ خميس، والله أعلم.
أقول: قد زرت ذلك المكان في عام (١٩٥٨ م) ورأيت الدم لا يزال متجمّدا على الصخرة ماثلا يشاهد بالعين الباصرة بلا ريب، ولا خفاء. والله أعلم بحقيقة الأمر، وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في الآية رقم [١٩٠] من سورة (الأعراف) فإنّه جيد، والحمد لله!
تنبيه: ذكر الله هذه الحادثة لنبيه ﷺ، وقال له: اقرأها على اليهود اللّؤماء، وذلك كبرهان قاطع على صحّة نبوّته؛ لأنّه لم يكن يعرف القراءة، والكتابة، وقد أتى بأخبار الأوّلين، وهذا غيض من فيض، ومن قرأ القرآن، وتدبّره يجد الكثير من ذلك موجودا بين دفتيه، وهذه الحادثة مذكورة في التّوراة بكاملها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَاتْلُ:﴾ الواو: حرف عطف. (اتل): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره. وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: أنت.
﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما في الآية رقم [٢٠] وما بعدها؛ لأنّ الواو عاطفة حادثة على حادثة. ﴿نَبَأَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اِبْنَيْ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه مثنّى، وحذفت النون للإضافة، و ﴿اِبْنَيْ:﴾ مضاف، و ﴿آدَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف حال من: ﴿نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ أي: ملتبسا بالحقّ، وقيل: من الضمير المستتر بالفعل، والأوّل أقوى. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿نَبَأَ،﴾ أو بمحذوف حال منه، وتعليقه بالفعل: (اتل) لا بأس به. ﴿قَرَّبا:﴾ فعل ماض مبني على الفتح، وألف الاثنين فاعله. ﴿قُرْباناً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها.
﴿فَتُقُبِّلَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (تقبّل): فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى القربان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جرّ مثلها. ﴿مِنْ أَحَدِهِما:﴾