﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها:﴾ يقول الله: لو شئت؛ لهديت الناس جميعا، فلم يختلف منهم أحد. قال النحاس: في معناه قولان: أحدهما: أنه في الدنيا. والآخر: أن سياق الكلام يدل على أنه في الآخرة؛ أي: لو شئنا؛ لرددناهم إلى الدنيا، والمحنة، كما سألوا. ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي..﴾. إلخ أي: حق القول مني لأعذبن من عصاني بنار جهنم، وعلم الله ﵎ أنه لو ردهم؛ لعادوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾.
هذا؛ وقدر ابن هشام الكلام في المغني كما يلي: ولكن لم أشأ ذلك، فحق القول مني.
وهذه الهداية معناها خلق المعرفة في القلب. وتأويل المعتزلة: -ولو شئنا لأكرهناهم على الهداية بإظهار الآيات الهائلة، لكن لا يحسن منه فعله؛ لأنه ينقض الغرض المجرى بالتكليف إليه، وهو الثواب الذي لا يستحق إلا بما يفعله المكلف باختياره-باطل، ولا وجه له.
وقالت الإمامية في تأويلها: إنه يجوز أن يريد هداها إلى طريق الجنة في الآخرة، ولم يعاقب أحدا، لكن حق القول منه أن يملأ جهنم، فلا يجب على الله تعالى عندنا هداية الكل إليها؛ قالوا:
بل الواجب هداية المعصومين، فأما من له ذنب؛ فجائز هدايته إلى النار جزاء على أفعاله. وفي جواز ذلك منع لقطعهم على أن المراد: هداها إلى الإيمان، وقد تكلم العلماء عليهم في هذين التأويلين بما فيه كفاية في أصول الدين، وأقرب ما لهم في الجواب أن يقال: فقد بطل عندنا، وعندكم أن يهديهم الله سبحانه على طريق الإلجاء، والإجبار، والإكراه، فصار يؤدي ذلك إلى مذهب الجبرية، وهو مذهب رذل عندنا، وعندكم؛ فلم يبق إلا أن المهتدين من المؤمنين، إنما هداهم الله تعالى إلى الإيمان والطاعة على طريق الاختيار؛ حتى يصح التكليف، فمن شاء آمن، وأطاع اختيارا لا جبرا، قال تعالى في سورة التكوير رقم [٢٨]: ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ،﴾ وقال في سورة الإنسان رقم [٢٩]: ﴿فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾. ثم عقب هاتين الآيتين في السورتين المذكورتين بقوله جل شأنه: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ فوقع إيمان المؤمنين بمشيئتهم، ونفى أن يشاءوا إلا أن يشاء الله، ولهذا أفرطت الجبرية لما رأوا أن هدايتهم إلى الإيمان معذوق (معلّق) بمشيئة الله تعالى، فقالوا: الخلق مجبورون في طاعتهم كلها، التفاتا منهم إلى قوله تعالى: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾. وفرّطت القدرية لما رأوا أن هدايتهم إلى الإيمان معذوق بمشيئة العباد، فقالوا: الخلق خالقون لأفعالهم، التفاتا منهم إلى قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾.
ومذهبنا هو الاقتصاد في الاعتقاد، وهو مذهب بين مذهبي المجبرة، والقدرية، وخير الأمور، أوسطها، وذلك: أن أهل الحق قالوا: نحن نفرق بين ما اضطررنا إليه وبين ما اخترناه، وهو أنا
Juz 7, halaman 397 ›
ندرك تفرقة بين حركة الارتعاش، الواقعة في يد الإنسان بغير محاولته، وإرادته ولا مقرونة بقدرته، وبين حركة الاختيار؛ إذا حرك يده حركة مماثلة لحركة الارتعاش، ومن لا يفرق بين الحركتين:
حركة الارتعاش، وحركة الاختيار، وهما موجودتان في ذاته، ومحسوستان في يده بمشاهدته، وإدراك حاسته؛ فهو معتوه في عقله، ومختل في حسه، وخارج من حزب العقلاء، وهذا هو الحق المبين وهو طريق بين طريقي الإفراط، والتفريط، قال الشاعر: [الطويل] ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد... كلا طرفي قصد الأمور ذميم
وبهذا الاعتبار اختار أهل النظر من العلماء أن سمّوا هذه المنزلة بين المنزلتين كسبا، وأخذوا هذه التسمية من كتاب الله العزيز، وهو قوله سبحانه في آخر سورة (البقرة): ﴿لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ﴾ انتهى. قرطبي بحروفه بتصرف بسيط. ومعنى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ أي: من عصاتهما، وقدم الجن؛ لأن المقام مقام تحقير، ولأن أكثر أهل جهنم منهم فيما قيل، وفي تخصيص الجن، والإنس بالذكر إشارة إلى أنه تعالى قد عصم ملائكته عن عمل يستوجبون به جهنم.
هذا؛ وخذ قوله تعالى في الآية رقم [١١٢] من سورة (الأنعام): ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ،﴾ ورقم [١٠٧] منها ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا،﴾ وخذ قوله تعالى في الآية رقم [١٨] من سورة (الأعراف) لإبليس: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ،﴾ وقوله له في الآية رقم [٨٥] من سورة (ص): ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ،﴾ وقوله تعالى في الآية رقم [١١٩] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ انظر شرح الآيات في محالها.
تنبيه: قال الله تعالى في الآية رقم [٢٧] من سورة (الحجر): ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ،﴾ وقال في سورة (الرحمن) رقم [١٥]: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ فقد قال ابن عباس-﵄: الجان: أبو الجن، كما أن آدم أبو البشر. وقال قتادة: هو إبليس.
وقيل: الجان أبو الجن، وإبليس أبو الشياطين. هذا؛ والجنة بكسر الجيم، والجن بمعنى واحد، وفيهم مسلمون، وكافرون، يأكلون، ويشربون، ويحيون، ويموتون، ويتوالدون كبني آدم. وأما الشياطين فليس فيهم مسلمون، ولا يموتون إلا إذا مات أبوهم إبليس. والأصح: أن الشياطين نوع من الجن لاشتراكهم في الاستتار، سمّوا جنّا لتواريهم، واستتارهم عن الأعين من قولهم:
جنّ الليل إذا ستر بظلمته كل شيء. والشيطان هو العاتي المتمرد الكافر، والجن منهم المؤمن، ومنهم الكافر، والجن أجسام نارية لطيفة، قادرة على التشكل في الغالب بأشكال مخيفة قبيحة من حية، ونحوها، وهم يروننا، ولا نراهم. قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢٧]: ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ والملائكة مثلهم في هذا، ولكنهم يتشكلون بأشكال حسنة عكس الجن، وهم مخلوقون من نور.
Juz 7, halaman 398 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.