Kitab tafsir: Tafsir Ibni 'Asyur
· Pengarang: ابن عاشور
بِالدُّعَاءِ تَعْلِيلًا يُفِيدُ التَّحْذِيرَ مِنْ إِبَايَةِ دُعَاءِ اللَّهِ حِينَ الْإِقْبَالِ عَلَى دُعَاءِ الْأَصْنَامِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا [غَافِر: ١٢] وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ لَا يَضْرَعُونَ إِلَى اللَّهِ إِلَّا إِذَا لَمْ يَتَوَسَّمُوا اسْتِجَابَةَ شُرَكَائِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ [الْإِسْرَاء: ٦٧] . وَمَعْنَى التَّعْلِيلِ لِلْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ بِهَذَا التَّحْذِيرِ: أَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ لِعِبَادِهِ مَا يُفْضِي بِهِمْ إِلَى الْعَذَابِ، قَالَ تَعَالَى: وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [الزمر:
٧] فَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى طَلَبِ اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يَدْعُوَهُ فِي حَاجَاتِهِمْ.
وَمَشْرُوعِيَّةُ الدُّعَاءِ لَا خِلَافَ فِيهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ يَنْفَعُ فِي رَدِّ
الْقَدَرِ أَوْ لَا؟ وَهُوَ خِلَافٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ. وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ تَأَوَّلُوا مَعْنَى أَسْتَجِبْ لَكُمْ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ الْآيَةَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٨٦] ، وَفِي الْإِتْيَانِ بِالْمَوْصُولِ إِيمَاءٌ إِلَى التَّعْلِيلِ.
وداخِرِينَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ سَيَدْخُلُونَ أَيْ أَذِلَّةً، دَخَرَ كَمَنَعَ وَفَرِحَ: صَغُرَ وَذَلَّ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ: سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ [٤٨] .
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ سَيَدْخُلُونَ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَضَمِّ الْخَاءِ. وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ وَرُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْخَاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلنَّائِبِ، أَيْ سَيُدْخِلُهُمْ مَلَائِكَةُ الْعَذَاب جَهَنَّم.
[٦١]
[سُورَة غَافِر (٤٠) : آيَة ٦١]
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْجَلَالَةِ بَدَلًا مِنْ رَبُّكُمُ فِي وَقالَ رَبُّكُمُ [غَافِر: ٦٠] أَتْبَعَ رَبُّكُمُ بِالِاسْمِ الْعَلَمِ لِيُقْضَى بِذَلِكَ حَقَّانِ: حَقُّ اسْتِحْقَاقِهِ أَنْ يُطَاعَ بِمُقْتَضَى الرُّبُوبِيَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ، وَحَقُّ اسْتِحْقَاقِهِ الطَّاعَةَ لِصِفَاتِ كَمَالِهِ الَّتِي يَجْمَعُهَا اسْمُ الذَّاتِ. وَلِذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ مَعَ وَصْفِ الرَّبِّ الْمُتَقَدِّمِ بِشَيْءٍ مِنْ ذِكْرِ نِعَمِهِ وَلَا كَمَالَاتِهِ اجْتِزَاءً بِمُقْتَضَى حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ، وَذَكَرَ مَعَ الِاسْمِ الْعَلَمِ بَعْضَ إِنْعَامِهِ وَإِفْضَالِهِ ثُمَّ وَصَفَ الِاسْمَ بِالْمَوْصُولِ وَصِلَتِهِ إِشَارَةً إِلَى بَعْضِ صِفَاتِهِ، وَإِيمَاءً إِلَى وَجْهِ الْأَمْرِ بِعِبَادَتِهِ، وَتَكون الْجُمْلَة استنئافا بَيَانِيًّا نَاشِئًا عَنْ تَقْوِيَةِ الْأَمْرِ بِدُعَائِهِ.
Juz 24, halaman 183 ›
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْجَلَالَةِ مُبْتَدَأً وَالْمَوْصُولُ صِفَةً لَهُ وَيَكُونَ الْخَبَرُ قَوْلَهُ:
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ [غَافِر: ٦٤] وَيَكُونَ جُمْلَةُ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ مُعْتَرِضَةً، أَوْ أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْجَلَالَةِ مُبْتَدَأً وَالْمَوْصُولُ خَبَرًا.
وَاعْتِبَارُ الْجُمْلَةِ مُسْتَأْنَفَةً أَحْسَنُ مِنِ اعْتِبَارِ اسْمِ الْجَلَالَةِ بَدَلًا لِأَنَّهُ أَنْسَبُ بِالتَّوْقِيفِ عَلَى سُوءِ شُكْرِهِمْ، وَبِمَقَامِ تَعْدَادِ الدَّلَائِلِ وَأَسْعَدُ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً [غَافِر: ٦٤] ، فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ وَاقِعَةً مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [غَافِر: ٦٠] ، أَيْ تَسَبَّبُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ الْعِقَابِ لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِذْ جَعَلَ لَهُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. وَعَلَى هَذِهِ الِاعْتِبَارَاتِ كُلِّهَا فَقَدْ سَجَّلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّاسِ تَقْسِيمَهُمْ إِلَى: شَاكِرِ نِعْمَةٍ، وَكَفُورِهَا، كَمَا سَجَّلَتْ عَلَيْهِمُ الْآيَةُ السَّابِقَةُ تَقْسِيمَهُمْ إِلَى: مُؤْمِنٍ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَكَافِرٍ بِهَا.
وَهَذِهِ الْآيَةُ لِلتَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخَلْقِ كَمَا اقْتَضَاهُ لَامُ التَّعْلِيلِ فِي قَوْلِهِ:
لَكُمُ وَاقْتَضَاهُ التَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ. وَأُدْمِجَ فِي التَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ اسْتِدْلَالٌ عَلَى انْفِرَادِهِ تَعَالَى بِالتَّصَرُّفِ بِالْخَلْقِ، وَالتَّدْبِيرِ الَّذِي هُوَ مُلَازِمٌ حَقِيقَةَ الْإِلَهِيَّةِ.
وَابْتُدِئَ الِاسْتِدْلَالُ بِدَلَائِلِ الْأَكْوَانِ الْعُلْوِيَّةِ وَآثَارِهَا الْوَاصِلَةِ إِلَى الْأَكْوَانِ السُّفْلِيَّةِ، وَهِيَ مَظْهَرُ النِّعْمَةِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَهُمَا تَكْوِينَانِ عَظِيمَانِ دَالَّانِ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَةِ مُكَوِّنِهِمَا وَمُنَظِّمِهِمَا وَجَاعِلِهِمَا مُتَعَاقِبَيْنِ، فَنِيطَتْ بِهِمَا أَكْثَرُ مَصَالِحِ هَذَا الْعَالَمِ وَمَصَالِحِ أَهْلِهِ، فَمِنْ مَصَالِحِ الْعَالَمِ حُصُولُ التَّعَادُلِ بَيْنَ الضِّيَاءِ وَالظُّلْمَةِ، وَالْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ لِتَكُونَ الْأَرْضُ لَائِقَةً بِمَصَالِحِ مَنْ عَلَيْهَا فَتُنْبِتُ الْكَلَأَ وَتُنْضِجُ الثِّمَارَ، وَمِنْ مَصَالِحِ سُكَّانِ الْعَالَمِ سُكُونُ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ فِي اللَّيْلِ لِاسْتِرْدَادِ النَّشَاطِ الْعَصَبِيِّ الَّذِي يُعْيِيهِ عَمَلُ الْحَوَاسِّ وَالْجَسَدِ فِي النَّهَارِ، فَيَعُودُ النَّشَاطُ إِلَى الْمَجْمُوعِ الْعَصَبِيِّ فِي الْجَسَدِ كُلِّهِ وَإِلَى الْحَوَاسِّ، وَلَوْلَا ظُلْمَةُ اللَّيْلِ لَكَانَ النَّوْمُ غَيْرَ
Juz 24, halaman 184 ›
كَامِلٍ فَكَانَ عَوْدُ النَّشَاطِ بَطِيئًا وَوَاهِنًا وَلَعَادَ عَلَى الْقُوَّةِ الْعَصَبِيَّةِ بِالِانْحِطَاطِ وَالِاضْمِحْلَالِ فِي أَقْرَبِ وَقْتٍ فَلَمْ يَتَمَتَّعِ الْإِنْسَانُ بِعُمُرٍ طَوِيلٍ. وَمِنْهَا انْتِشَارُ النَّاسِ وَالْحَيَوَانِ فِي النَّهَارِ وَتَبَيُّنُ الذَّوَاتِ بِالضِّيَاءِ، وَبِذَلِكَ تَتِمُّ الْمَسَاعِي لِلنَّاسِ فِي أَعْمَالِهِمُ الَّتِي بِهَا انْتِظَامُ أَمْرِ الْمُجْتَمَعِ مِنَ الْمُدُنِ وَالْبَوَادِي، وَالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ، وَكَادِحٌ لِلْعَمَلِ وَالِاكْتِسَابِ، فَحَاجَتُهُ لِلضِّيَاءِ ضَرُورِيَّةٌ وَلَوْلَا الضِّيَاءُ لَكَانَتْ تَصَرُّفَاتُ النَّاسِ مُضْطَرِبَةً مُخْتَبِطَةً.
وَلِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ إِبْصَارِ النَّاسِ فِي الضِّيَاءِ وَكَثْرَةِ الْفَوَائِدِ الْحَاصِلَةِ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَسْنَدَ الْإِبْصَارَ إِلَى النَّهَارِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ لِقُوَّةِ الْمُلَابَسَةِ بَيْنَ الْأَفْعَالِ وَزَمَانِهَا، فَأَسْنَدَ إِبْصَارَ النَّاسِ إِلَى نَفْسِ النَّهَارِ لِأَنَّهُ سَبَبُ بَعْضِهِ وَسَبَبُ كَمَالِ بَعْضٍ آخَرَ. فَأَمَّا نِعْمَةُ السُّكُونِ فِي اللَّيْلِ فَهِيَ نِعْمَةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ رُجُوعُ النَّشَاطِ.
وَفِي ذكر اللَّيْل وَالنَّهَار تَذْكِيرٌ بِآيَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ وَهِيَ الشَّمْسُ الَّتِي يَنْشَأُ اللَّيْلُ مِنِ احْتِجَابِ أَشِعَّتِهَا عَنْ نِصْفِ الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ وَيَنْشَأُ النَّهَارُ مِنِ انْتِشَارِ شُعَاعِهَا عَلَى النِّصْفِ الْمُقَابِلِ مِنَ الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمَقْصِدُ الْأَوَّلُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الِامْتِنَانَ ذَكَرَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ دُونَ الشَّمْسِ، وَقَدْ ذُكِرَتِ الشَّمْسُ فِي آيَاتٍ أُخْرَى كَانَ الْغَرَضُ الْأَهَمُّ مِنْهَا الدَّلَالَةَ عَلَى عَظِيمِ الْقُدْرَةِ وَالْوَحْدَانِيَّةِ كَقَوْلِهِ: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [الْأَنْعَام: ٩٦] .
وَدَلَّتْ مُقَابَلَةُ تَعْلِيلِ إِيجَادِ اللَّيْلِ بِعِلَّةِ سُكُونِ النَّاسِ فِيهِ، بِإِسْنَادِ الْإِبْصَارِ إِلَى ذَاتِ
النَّهَارِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ وَإِنَّمَا الْمُبْصِرُونَ النَّاسُ فِي النَّهَارِ، عَلَى احْتِبَاكٍ إِذْ يُفْهَمُ مِنْ كِلَيْهِمَا أَنَّ اللَّيْلَ سَاكِنٌ أَيْضًا، وَأَنَّ النَّهَارَ خُلِقَ لِيُبْصِرَ النَّاسُ فِيهِ إِذِ الْمِنَّةُ بِهِمَا سَوَاءٌ، فَهَذَا مِنْ بَدِيعِ الْإِيجَازِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَفَنُّنِ أُسْلُوبَيِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ. وَلَمْ يُعْكَسْ فَيُقَلْ: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ سَاكِنًا وَالنَّهَارَ لِتُبْصِرُوا فِيهِ، لِئَلَّا تَفُوتَ صَرَاحَةُ الْمُرَادِ مِنَ السُّكُونِ كَيْلَا يُتَوَهَّمَ أَنَّ سُكُونَ اللَّيْلِ هُوَ شِدَّةُ الظَّلَامِ فِيهِ كَمَا يُقَالُ: لَيْلٌ سَاجٍ، لِقِلَّةِ الْأَصْوَاتِ فِيهِ.
Juz 24, halaman 185 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.