Kitab tafsir: Tafsir Ibni 'Asyur
· Pengarang: ابن عاشور
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
٥- سُورَةُ الْمَائِدَةِ
هَذِهِ السُّورَةُ سُمِّيَتْ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ، وَكُتُبِ السُّنَّةِ، بِسُورَةِ الْمَائِدَةِ: لِأَنَّ فِيهَا قِصَّةُ الْمَائِدَة الَّتِي سَأَلَهَا الْحَوَارِيُّونَ مِنْ عِيسَى- ﵇، وَقَدِ اخْتُصَّتْ بِذِكْرِهَا. وَفِي «مُسْنَدِ» أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ وَقَعَتْ تَسْمِيَتُهَا سُورَةُ الْمَائِدَةِ فِي كَلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ، وَغَيْرِهِمْ. فَهَذَا أَشْهَرُ أَسْمَائِهَا.
وَتُسَمَّى أَيْضًا سُورَةَ الْعُقُودِ: إِذْ وَقَعَ هَذَا اللَّفْظُ فِي أَوَّلِهَا. وَتُسَمَّى أَيْضًا الْمُنْقِذَةَ.
فَفِي «أَحْكَامِ ابْنِ الْفَرَسِ» : رُوِيَ عَن النبيء ﷺ قَالَ: «سُورَةُ الْمَائِدَةِ تُدْعَى فِي ملكوت السَّمَوَات الْمُنْقِذَةَ»
. قَالَ: أَيْ أَنَّهَا تُنْقِذُ صَاحِبَهَا مِنْ أَيْدِي مَلَائِكَةِ الْعَذَابِ.
وَفِي كِتَابِ كِنَايَاتِ الْأُدَبَاءِ لِأَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ (١) «يُقَالُ: فُلَانٌ لَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْأَخْيَارِ، أَيْ لَا يَفِي بِالْعَهْدِ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ- ﵃ كَانُوا يُسَمُّونَ سُورَةَ الْمَائِدَة سُورَة الْأَخْبَار. قَالَ جَرِيرٌ:
إِنَّ الْبَعِيثَ وَعَبْدَ آلِ مُتَاعِسٍ ... لَا يَقْرَآنِ بِسُورَةِ الْأَخْيَارِ
وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِاتِّفَاقٍ، رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ مُنْصَرَفُ رَسُول الله ﷺ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، بَعْدَ سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ، فَيَكُونُ نُزُولُهَا بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ بِمُدَّةٍ لِأَنَّ سُورَةَ الْمُمْتَحِنَةِ نَزَلَتْ بَعْدَ رُجُوعِ رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَدْ جَاءَتْهُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٌ، وَطَلَبَ مِنْهُ الْمُشْرِكُونَ إِرْجَاعَهُنَّ إِلَيْهِمْ عَمَلًا بِشُرُوطِ الصُّلْحِ، فَأَذِنَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِعَدَمِ إِرْجَاعِهِنَّ بَعْدَ امْتِحَانِهِنَّ.
رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُقَاتِلٍ أَنَّ آيَةَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ
- إِلَى- عَذابٌ أَلِيمٌ [الْمَائِدَة: ٩٤] نَزَلَتْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فَلَعَلَّ ذَلِكَِِ
Juz 6, halaman 69 ›
الْبَاعِثُ لِلَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ سُورَةَ الْعُقُودِ نَزَلَتْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ. وَلَيْسَ وُجُودُ تِلْكَ الْآيَةِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِمُقْتَضٍ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ نُزُولِ السُّورَةِ سَابِقًا عَلَى نُزُولِ الْآيَةِ إِذْ قَدْ تَلْحَقُ الْآيَةُ بِسُورَةٍ نَزَلَتْ مُتَأَخِّرَةٍ عَنْهَا.
وَفِي «الْإِتْقَانِ» : إِنَّهَا نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَلَكِنْ صَحَّ أَنَّ آيَةَ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [الْمَائِدَة: ٣] نَزَلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي عَامِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. وَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ مُتَتَابِعَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً، وَلَا يَنْبَغِي التَّرَدُّدُ فِي أَنَّهَا نَزَلَتْ مُنَجَّمَةً.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَعَائِشَةَ أَنَّهَا آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ النِّسَاءِ، وَمَا نَزَلَ بَعْدَهَا إِلَّا سُورَةُ بَرَاءَةٌ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ بَرَاءَةٌ آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ، وَهُوَ قَوْلُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» . وَفِي «مُسْنَدِ أَحْمَدَ» عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ: أَنَّهَا نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ فِي سَفَرٍ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْعَضْبَاءِ، وَأَنَّهَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ كُلَّهَا. قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: نَزَلَتْ سُورَةُ الْمَائِدَةِ فِي مَسِيرِ رَسُول الله ﷺ إِلَى حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
وَفِي «شُعَبِ الْإِيمَانِ» ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ: أَنَّهَا نَزَلَتْ بِمِنًى. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: نَزَلَتْ مَرْجِعَ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَضُعِّفَ هَذَا الْحَدِيثُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الْمَائِدَة:
٢] أُنْزِلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ رَوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّ سُورَةَ الْمَائِدَةِ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ فِي يَوْمِ اثْنَيْنِ. وَهُنَالِكَ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ أَنَّهَا نَزَلَتْ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَيَكُونُ ابْتِدَاءُ نُزُولِهَا بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إِلَى حَجَّةِ الْوَدَاعِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّهُ قَالَ: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ- إِلَى-
Juz 6, halaman 70 ›
غَفُورٌ رَحِيمٌ [الْمَائِدَة: ٣] نَزَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ. وَمِثْلُهُ عَنِ الضَّحَّاكِ، فَيَقْتَضِي قَوْلُهُمَا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ فِي فَتْحِ مَكَّةَ وَمَا بَعْدَهُ.
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ: أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ- إِلَى قَوْلِهِ- صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الْمَائِدَة: ١٥، ١٦] ثُمَّ نَزَلَتْ بَقِيَّةُ السُّورَةِ فِي عَرَفَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
وَيَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَ بَعْضُهَا بَعْدَ بَعْضِ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَفِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَسُول الله ﷺ قَدِ اسْتَقَامَ لَهُ أَمْرُ الْعَرَبِ وَأَمْرُ الْمُنَافِقِينَ وَلَمْ يَبْقَ فِي عِنَادِ الْإِسْلَامِ
إِلَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. أَمَّا الْيَهُودُ فَلِأَنَّهُمْ مُخْتَلِطُونَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي الْمَدِينَةِ وَمَا حَوْلَهَا، وَأَمَّا النَّصَارَى فَلِأَنَّ فُتُوحَ الْإِسْلَامِ قَدْ بَلَغَتْ تُخُومَ مُلْكِهِمْ فِي حُدُودِ الشَّامِ. وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» : وَكَانَ مَنْ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ قَدِ اسْتَقَامَ لَهُ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مُلْكُ غَسَّانَ بِالشَّامِ كُنَّا نَخَافُ أَنْ يَأْتِيَنَا.
وَقَدِ امْتَازَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِاتِّسَاعِ نِطَاقِ الْمُجَادَلَةِ مَعَ النَّصَارَى، وَاخْتِصَارِ الْمُجَادَلَةِ مَعَ الْيَهُودِ، عَمَّا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَمْرَ الْيَهُودِ أَخَذَ فِي تَرَاجُعٍ وَوَهْنٍ، وَأَنَّ الِاخْتِلَاطَ مَعَ النَّصَارَى أَصْبَحَ أَشَدَّ مِنْهُ مِنْ ذِي قَبْلُ.
وَفِي سُورَةِ النِّسَاءِ تَحْرِيمُ السُّكْرِ عِنْدَ الصَّلَوَاتِ خَاصَّةً، وَفِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ تَحْرِيمُهُ بَتَاتًا، فَهَذَا مُتَأَخِّرٌ عَنْ بَعْضِ سُورَةِ النِّسَاءِ لَا مَحَالَةَ. وَلَيْسَ يَلْزَمُ أَنْ لَا تَنْزِلَ سُورَةٌ حَتَّى يَنْتَهِيَ نُزُولُ أُخْرَى بَلْ يَجُوزُ أَنْ تَنْزِلَ سُورَتَانِ فِي مُدَّةٍ وَاحِدَةٍ. وَهِيَ، أَيْضًا، مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ سُورَةِ بَرَاءَةٌ: لِأَنَّ بَرَاءَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَحْوَالِ الْمُنَافِقِينَ وَسُورَةُ الْمَائِدَةِ لَا تَذْكُرُ مِنْ أَحْوَالِهِمْ إِلَّا مَرَّةً، وَذَلِكَ
Juz 6, halaman 71 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.