إن شاء الله تعالى، وفي محلها وجهان: أولها: العطف على ما قبلها، والثاني: الاستئناف، فتكون لا محل لها، وقد سيقت للإخبار بذلك تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
تنبيه: ذكر أبو البقاء في إعراب: ﴿كَذِباً﴾ ما يلي: فقال: يجوز أن يكون: ﴿كَذِباً﴾ مفعول ﴿اِفْتَرى،﴾ وأن يكون مصدرا على المعنى، أي: افتراء، وأن يكون مفعولا من أجله، وأن يكون مصدرا في موضع الحال. أقول: والأول أقواها.
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى:﴾ فهذا يقال للمشركين يوم القيامة، والقائل هم الملائكة.
وقيل: هو قول الله تعالى. والأول أقوى؛ لأن هذا الكلام متصل بما قبله، والأول من مقول الملائكة كما رأيت، ولكن إذا عرفت أن الآيات الثلاث السابقة مدنية، وأن هذه الآية، وما بعدها مكية، فيبعد العطف، وإنما الكلام مستأنف، فيصالح للاعتبارين. هذا؛ وقد عبر سبحانه عن المستقبل بالماضي لتحقق وقوعه. انظر مبحث هذا في الآية رقم [٥/ ١١٦] فإنه جيد، وانظر (جاء) في الآية رقم [٥]. وقد اختلف في ﴿فُرادى:﴾ هل هو مفرد، أو جمع، أو هو اسم جمع؟ وفي البيضاوي: و ﴿فُرادى﴾ جمع فرد، والألف للتأنيث ككسالى، وقرئ: «(فرادا)» بالتنوين، كغراب، و «(فراد)» كثلاث، و «(فردى)» كسكرى. انتهى. فهذه أربع قراءات الأولى هي المتواترة، والثلاثة بعدها شواذ، كما في السمين. انتهى جمل. والمعنى: منفردين عن الأموال، والأولاد، وسائر ما جمعتموه في الدنيا. أو عن الأعوان، والأصنام؛ التي زعمتم أنها تشفع لكم. ﴿كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: على الهيئة التي ولدتم عليها، أي: حفاة، عراة، غرلا، بهما. وانظر شرح: ﴿أَوَّلَ﴾ في الآية رقم [٢/ ٤١] أو [٧/ ١٤٣] فإنه جيد. ﴿وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ أي: تركتم الشيء الذي تفضلنا به عليكم في الدنيا، فلم تحملوا منه شيئا إلى الآخرة، قليلا، أو كثيرا. هذا؛ والوراء يأتي بمعنى ما خلف الظهر، وقد يأتي بمعنى أمام، وقدام، قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ و ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ وهو كثير في القرآن الكريم، وفي الشعر العربي، وانظر (نا) في الآية رقم [٧/ ٧]. ﴿وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ﴾ أي:
شركاء الله في ربوبيتكم، واستحقاق عبادتكم لهم. وانظر إعلال: ﴿نَرى﴾ في الآية رقم [٥/ ٥٢] وانظر (زعم) في الآية رقم [٤/ ٦٠] فإنه جيد. والمراد ب ﴿شُفَعاءَكُمُ:﴾ الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى. ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ أي: تقطع وصلكم، وتشتت جمعكم. هذا؛ والبين:
Juz 3, halaman 350 ›
الفراق والبعاد، وهو أيضا الوصل، فهو من الأضداد، كالجون يطلق على الأسود، والأبيض، ومن استعماله بمعنى الفراق، والبعاد قول كعب بن زهير-﵁: [البسيط]
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطرف مكحول
هذا؛ وقد قرئ «(بينكم)» بالرفع، والنصب، فالرفع على الفاعل، أي: تقطع وصلكم، والنصب على الحذف يريد: ما بينكم. انتهى مختار الصحاح. ولا تنس: أن (بين) ظرف مكان بمعنى وسط، تقول: جلس بين القوم، كما تقول: جلس وسط القوم، وانظر الإعراب.
﴿وَضَلَّ:﴾ انظر الآية رقم [٢٤]. ﴿ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ:﴾ تدعون كذبا، وافتراء: أنهم شفعاؤكم، وأن لا بعث، ولا جزاء.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جِئْتُمُونا:﴾ ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم حرف دال على جماعة الذكور، وحركت بالضم، فتولدت واو الإشباع. و (نا): مفعول به.
﴿فُرادى:﴾ حال من الفاعل منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له، وهو أولى من العطف كما بينته في الشرح. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿خَلَقْناكُمْ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به. ﴿أَوَّلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و ﴿مَرَّةٍ:﴾ مضاف إليه، و ﴿ما﴾ المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، وتقدير الكلام: جئتمونا مجيئا كائنا مثل خلقكم أول مرة، أو هما متعلقان بمحذوف حال واقعة بدلا من: ﴿فُرادى،﴾ أو بمحذوف حال ثانية، إن جوز التعدد فيها، أو حال من الضمير المستتر في: ﴿فُرادى،﴾ وانظر مثله في الآية رقم [٢٠]. (تركتم): فعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:
خولناكموه، وانظر إعراب: ﴿حَلَلْتُمْ﴾ في الآية رقم [٥/ ٣] وجملة: (تركتم...) إلخ، في محل نصب حال من تاء الفاعل، أو من الكاف الواقعة مفعولا به، والرابط: الواو، والضمير، و (قد) قبلها مقدرة، و (ترك) متعد لمفعول واحد، وإن كان بمعنى: «صير» فينصب مفعولين ثانيهما محذوف، ويكون الظرف: ﴿وَراءَ﴾ متعلقا به، التقدير: كائنا وراء، و ﴿وَراءَ:﴾ مضاف، و ﴿ظُهُورِكُمْ:﴾ مضاف إليه والكاف في محل جر بالإضافة، وجوز الاستئناف بجملة ﴿وَتَرَكْتُمْ..﴾.
إلخ. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿نَرى:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿مَعَكُمْ:﴾
ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وهو بصري، فلذا اكتفى بمفعول واحد، وهو: ﴿شُفَعاءَكُمُ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة لما
Juz 3, halaman 351 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.