Kitab tafsir: Tafsir Ibni 'Asyur
· Pengarang: ابن عاشور
(٣)
هَذَا تَذْكِيرٌ وَمَوْعِظَةٌ بِمَا جَرَى فِي خِلَالِ تَيْنِكَ الْحَادِثَتَيْنِ ثُنِيَ إِلَيْهِ عِنَانُ الْكَلَامِ بَعْدَ أَنْ قُضِيَ مَا يُهِمُّ مِنَ التشريع للنبيء ﷺ بِمَا حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ جَرَّائِهِمَا.
وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى جُمْلَةِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التَّحْرِيم: ١] بِتَقْدِيرِ وَاذْكُرْ.
وَقَدْ أُعِيدَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ السَّابِقَةُ ضِمْنًا بِمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ بأسلوب آخر ليبن عَلَيْهِ مَا فِيهِ مِنْ عِبَرٍ وَمَوَاعِظَ وَأَدَبٍ، وَمَكَارِمَ وَتَنْبِيهٍ وَتَحْذِيرٍ.
فَاشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ على عشْرين معنى مِنْ مَعَانِي ذَلِكَ. إِحْدَاهَا مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ:
إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ: فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ.
وَالثَّالِث: وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
الرَّابِعُ: عَرَّفَ بَعْضَهُ.
الْخَامِسُ: وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ.
السَّادِسُ: قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا.
السَّابِعُ: قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ.
الثَّامِنُ وَالتَّاسِعُ وَالْعَاشِرُ: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ إِلَى فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ [التَّحْرِيم: ٤] .
الْحَادِي عَشَرَ وَالثَّانِي عَشَرَ وَالثَّالِثَ عَشَرَ: وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ [التَّحْرِيم: ٤] .
الرَّابِعَ عَشَرَ وَالْخَامِسَ عَشَرَ: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً [التَّحْرِيم: ٥] .
السَّادِسَ عَشَرَ: خَيْراً مِنْكُنَّ [التَّحْرِيم: ٥] .
السَّابِعَ عشر: مُسْلِماتٍ [التَّحْرِيم: ٥] إِلَخْ.
الثَّامِنَ عشر: سائِحاتٍ [التَّحْرِيم: ٥] .
التَّاسِعَ عَشَرَ: ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً [التَّحْرِيم: ٥] ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا عِنْدَ تَفْسِيرِ كُلِّ آيَةٍ مِنْهَا.
Juz 28, halaman 350 ›
الْعِشْرُونَ: مَا فِي ذِكْرِ حَفْصَةَ أَوْ غَيْرِهَا بِعُنْوَانِ بَعْضِ أَزْواجِهِ دُونَ تَسْمِيَتِهِ مِنَ الِاكْتِفَاءِ فِي الْمَلَامِ بِذِكْرِ مَا تَسْتَشْعِرُ بِهِ أَنَّهَا الْمَقْصُودَةُ بِاللَّوْمِ.
وَإِنَّمَا نبّأها النبيء ﷺ بِأَنَّهُ عَلِمَ إِفْشَاءَهَا الْحَدِيثَ بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ الْمَوْعِظَةَ وَالتَّأْدِيبَ فَإِنَّ اللَّهَ مَا أَطْلَعَهُ عَلَى إِفْشَائِهَا إِلَّا لِغَرَضٍ جَلِيلٍ.
وَالْحَدِيثُ هُوَ مَا حَصَلَ مِنِ اختلاء النبيء ﷺ بِجَارِيَتِهِ مَارِيَةَ وَمَا دَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَفْصَةَ
وَقَوْلُهُ لِحَفْصَةَ: «هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ وَلَا تُخْبِرِي عَائِشَةَ»
وَكَانَتَا مُتَصَافِيَتَيْنِ وَأَطْلَعَ الله نبيئه ﷺ عَلَى أَنَّ حَفْصَةَ أَخْبَرَتْ عَائِشَةَ بِمَا أَسَرَّ إِلَيْهَا.
وَالْوَاوُ عَاطِفَةٌ قِصَّةً عَلَى قِصَّةٍ لِأَنَّ قِصَّةَ إِفْشَاءِ حَفْصَةَ السِّرَّ غَيْرُ قِصَّةِ تَحْرِيم النبيء ﷺ عَلَى نَفْسِهِ بَعْضَ مَا أُحِلَّ لَهُ.
وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَنَّ الَّتِي أَسَرَّ إِلَيْهَا النبيء ﷺ الْحَدِيثَ هِيَ حَفْصَةُ وَيَأْتِي أَنَّ الَّتِي نَبَّأَتْهَا حَفْصَةُ هِيَ عَائِشَةُ. وَفِي «الصَّحِيحِ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَكَثْتُ سَنَةً وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيْبَةً لَهُ حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجْتُ مَعَهُ فَلَمَّا رَجَعَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مِنْ أَزْوَاجِهِ؟ فَقَالَ: تِلْكَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ وَسَاقَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا.
وَأَصْلُ إِطْلَاقِ الْحَدِيثِ عَلَى الْكَلَامِ مَجَازٌ لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْحَدَثَانِ فَالَّذِي حَدَثَ هُوَ الْفِعْل وَنَحْوه ثمَّ شَاعَ حَتَّى صَارَ حَقِيقَةً فِي الْخَبَرِ عَنْهُ وَصَارَ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْحَادِثَةِ هُوَ الْمَجَازُ فَانْقَلَبَ حَالُ وَضْعِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ.
وأَسَرَّ أَخْبَرَ بِمَا يُرَادُ كِتْمَانُهُ عَنْ غَيْرِ الْمُخْبِرِ أَوْ سَأَلَهُ عَدَمَ إِفْشَاءِ شَيْءٍ وَقَعَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِخْبَارًا وَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْخَبَرُ أَوِ الْفِعْلُ يُرَادُ عَدَمُ فَشَوِّهِ فَيَقُولُهُ صَاحِبُهُ سِرًّا وَالسِّرُّ ضِدُّ الْجَهْرِ، قَالَ تَعَالَى: وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ [التغابن: ٤] فَصَارَ أَسَرَّ يُطْلَقُ
بِمَعْنَى الْوِصَايَةِ بِعَدَمِ الْإِفْشَاءِ، أَيْ عَدَمِ الْإِظْهَارِ قَالَ تَعَالَى: فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ [يُوسُف: ٧٧] .
وَأَسَرَّ: فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّرِّ فَإِنَّ الْهَمْزَةَ فِيهِ لِلْجَعْلِ، أَيْ جَعَلَهُ ذَا سِرًّ، يُقَالُ: أَسَرَّ فِي نَفْسِهِ، إِذَا كَتَمَ سِرَّهُ. وَيُقَالُ: أَسَرَّ إِلَيْهِ، إِذَا حَدَّثَهُ بِسِرٍّ فَكَأَنَّهُ
Juz 28, halaman 351 ›
أَنْهَاهُ إِلَيْهِ، وَيُقَالُ: أَسَرَّ لَهُ إِذَا أَسَرَّ أَمْرًا لِأَجْلِهِ، وَذَلِكَ فِي إِضْمَارِ الشَّرِّ غَالِبًا وَأَسَرَّ بِكَذَا، أَيْ أَخْبَرَ بِخَبَر سرّ، وأسرّ، إِذَا وَضَعَ شَيْئًا خَفِيًّا. وَفِي الْمَثَلِ «يُسِرُّ حَسْوًا فِي ارْتِغَاءِ» .
وبَعْضِ أَزْواجِهِ هِيَ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَعَدَلَ عَنْ ذِكْرِ اسْمِهَا تَرَفُّعًا عَنْ أَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ مَعْرِفَةَ الْأَعْيَانِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْعِلْمُ بِمَغْزَى الْقِصَّةِ وَمَا فِيهَا مِمَّا يُجْتَنَبُ مِثْلُهُ أَوْ يُقْتَدَى بِهِ. وَكَذَلِكَ طَيُّ تَعْيِينِ الْمُنَبَّأَةِ بِالْحَدِيثِ وَهِيَ عَائِشَةُ.
وَذُكِرَتْ حَفْصَة بعنوان بعض أَزْوَاجِهِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَن النَّبِي ﷺ وَضَعَ سِرَّهُ فِي مَوْضِعِهِ لِأَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِمَعْرِفَةِ سِرِّ الرَّجُلِ زَوْجُهُ. وَفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِمَلَامِهَا عَلَى إِفْشَاءِ سِرِّهِ لِأَنَّ وَاجِبَ الْمَرْأَةِ أَنْ تَحْفَظَ سِرَّ زَوْجِهَا إِذَا أَمَرَهَا بِحِفْظِهِ أَوْ كَانَ مثله مِمَّا يجب حِفْظَهُ.
وَهَذَا الْمَعْنَى الْأَوَّلُ مِنَ الْمَعَانِي التَّهْذِيبِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا آنِفًا.
وَنَبَّأَ: بِالتَّضْعِيفِ مُرَادِفُ أَنْبَأَ بِالْهَمْزِ وَمَعْنَاهُمَا: أَخْبَرَ، وَقَدْ جَمَعَهُمَا قَوْلُهُ: فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ.
وَقَدْ قِيلَ: السِّرُّ أَمَانَةٌ، أَيْ وَإِفْشَاؤُهُ خِيَانَةٌ.
وَفِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ مِنْ آدَابِهِمُ الْعَرَبِيَّةِ الْقَدِيمَةِ قَالَتِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: «جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا وَلَا تَنْفِثُ مِيرَثَنَا تَنْفِيثًا» .
وَكَلَامُ الْحُكَمَاءِ وَالشُّعَرَاءِ فِي السِّرِّ وَحِفْظِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى. وَهُوَ الْمَعْنَى الثَّانِي مِنَ الْمَعَانِي التَّهْذِيبِيَّةِ الَّتِي ذَكرنَاهَا.
وَمعنى ووَ أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ أَطْلَعَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الظُّهُورِ بِمَعْنَى التَّغَلُّبِ.
اسْتُعِيرَ الْإِظْهَارُ إِلَى الْإِطْلَاعِ لِأَنَّ إِطْلَاعَ الله نبيئه ﷺ عَلَى السِّرِّ الَّذِي بَيْنَ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ كَانَ غَلَبَةً لَهُ عَلَيْهِمَا فِيمَا دَبَّرَتَاهُ فَشُبِّهَتِ الْحَالَةُ الْخَاصَّةُ مِنْ تَآمُرِ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ عَلَى مَعْرِفَةِ سرّ النبيء ﷺ وَمِنْ عِلْمِهِ بِذَلِكَ بِحَالِ مَنْ يُغَالِبُ
Juz 28, halaman 352 ›
Pembahasan ayat ini masih 3 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.