﴿سُبْحانَهُ﴾ جملة اعتراضية لإبطال دعوى الظالمين الذين زعموا لله الولد. ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ استعمال صيغة جمع العقلاء في ﴿قانِتُونَ﴾ للتغليب أي تغليب العقلاء على غيرهم للتشريف.
المفردات اللغوية:
﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزيها له عما يصفون، وتعجبا مما يقول الجاهلون. ﴿قانِتُونَ﴾ منقادون، والقنوت: الخضوع والانقياد.
﴿بَدِيعُ﴾ مبدع، والإبداع: هو إيجاد الشيء بصورة مخترعة على غير مثال سابق.
﴿قَضى﴾ أراد. ﴿أَمْراً﴾ أي إيجاده.
﴿لَوْلا﴾ هلا. والآية: الحجة والبرهان. والتشابه: التماثل. واليقين: هو العلم القاطع بالدليل والبرهان.
المناسبة وسبب النزول:
دلت الآيات السابقة على زعم اليهود أن الجنة خاصة بهم، وزعموا أيضا كما تفيد الآية هنا أن عزيرا ابن الله، وزعم النصارى أن المسيح ابن الله، وزعم المشركون أن الملائكة بنات الله، فأكذبهم الله جميعا بالدليل القاطع.
فهذه الآية (١١٦) نزلت في اليهود حيث قالوا: عزير ابن الله، وفي نصارى نجران حيث قالوا: المسيح ابن الله، وفي مشركي العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله.
وأما سبب نزول الآية (١١٨): فهو ما
أخرجه ابن جرير الطبري عن ابن عباس، قال: قال رافع بن خزيمة لرسول الله: إن كنت رسولا من الله كما تقول، فقل لله: فليكلمنا حتى نسمع كلامه، فأنزل الله في ذلك: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ الآية.
وحكى القرطبي: ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾ أي يخاطبنا بنبوتك يا محمد، قال ابن كثير: وهو ظاهر السياق (¬١).
التفسير والبيان:
قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقال المشركون: الملائكة بنات الله، ولا فرق بين أن يصدر هذا القول من الجميع أو البعض، فإن أفراد الأمة متكافلون في كل ما يعملون وما يقولون. ﷾ تنزيها له عما يدعون، فليس لله حاجة إلى المعونة، وله كل ما في السموات والأرض، الكل خاضع لسلطانه، منقاد لإرادته. وهو الذي أبدع وابتكر السموات والأرض لا على مثال سبق، ومالك ما فيهن، وإذا أراد أمرا أوجده فورا أسرع مما بين حرفي «كن» من غير امتناع. والإيجاد والتكوين من أسرار الألوهية، عبر عنهما بما يقربهما للفهم بقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. وإذا اختار الله بعض خلقه للنبوة أو الرسالة كالرسل والملائكة، فلا يتجاوز حد مرتبة المخلوق، ويظل الكل عبيدا لله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً﴾ [مريم ٩٣/ ١٩] فمن كان له ما في السموات والأرض خلقا وملكا، ومن كان له كل ما في الكون منقاد لأمره، ومن أبدع السماء والأرض، ومن له أمر التكوين والإيجاد الفوري، أيحتاج إلى الولد والوالد؟! ويؤيد هذه الآية قول الله تعالى عن مشركي العرب: ﴿وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ، اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤/ ٦] وقوله تعالى: ﴿وَقالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ: سُبْحانَ رَبِّي، هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً﴾ [الإسراء ٩٠/ ١٧ - ٩٣] وقوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ، أَوْ نَرى رَبَّنا﴾
الآية [الفرقان ٢١/ ٢٥] وقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً﴾ [القيامة ٥٢/ ٧٥] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب وعتوهم وعنادهم وسؤالهم ما لا حاجة لهم به، وإنما هو الكفر والمعاندة، كما قال من قبلهم من أمم أهل الكتاب (اليهود والنصارى) وغيرهم، كما قال تعالى: ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ، فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ، فَقالُوا: أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ [النساء ١٥٣/ ٤] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ: يا مُوسى، لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة ٥٥/ ٢].
أما الذين لا يعلمون من المشركين، لأنه لا كتاب لهم، ولا هم أتباع نبي يبين لهم ما يليق بالألوهية فقالوا: هلا يكلمنا الله بأنك رسوله حقا، أو يرسل إلينا ملكا فيخبرنا بذلك، كما يرسله إليك، أو تأتينا ببرهان على صدقك في دعواك النبوة، وليس مرادهم من هذه المطالب إلا الاستكبار والعتو والعناد، والاستخفاف بالآيات البينات، والجحود بالقرآن.
ومثل هذه الأسئلة التي يراد منها التعنت، قد قالها من قبلهم من الأمم الماضية، كما ذكرنا في الآيات المؤيدة لهذه الآية.
قال أهل الكتاب سابقا مثل قول المشركين، وقد تماثلت قلوبهم وأرواحهم، وأشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في العمى والقسوة والعناد والكفر، والألسنة ترجمان القلوب، فما في القلب يعبر عنه اللسان. والحق واحد، ومخالفته هي الضلال وهو واحد، وإن تعددت طرقه، واختلفت وجوهه، وآثاره تتشابه، حتى كأنهم متواصون به فيما بينهم، كما قال تعالى: