[يقال: مَثَل ومِثْل ومَثِيل أيضًا والجمع أمثال، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾] [¬١]، وتقرير هذا المثل أن الله سبحانه شبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة [¬٢] إلى العمى، بمن استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله وتأنس بها، فبينا هو كذلك إذ طُفئت ناره وصار في ظلام شديد لا يبصر ولا يهتدي، وهو مع هذا [¬٣] أصم لا يسمع، أبكم لا ينطق، أعمى لو كان ضياء لما أبصر، فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضًا عن الهدى، واستحبابهم الغي على الرشد، وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا، كما أخبر تعالى [¬٤] عنهم في غير هذا الموضع، والله أعلم.
[وقد حكى هذا الذي قلناه الرازي في تفسيره عن السدي، ثم قال: والتشبيه هاهنا في غاية الصحة؛ لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولًا نورًا ثم بنفاقهم ثانيًا أبطلوا ذلك فوقعوا في حيرة عظيمة، فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين] [¬٥].
وزعم ابن جرير أن المضروب لهم المثل هاهنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
والصواب: أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك، ثم سُلبوه وطبع على قلوبهم، ولم يستحضر ابن جرير ﵀ هذه الآية هاهنا وهي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾. فلهذا [¬٦] وجه هذا المثل بأنهم استضاءوا بما أظهروه من كلمة الإيمان -أي في الدنيا- ثم أعقبهم ظلمات يوم القيامة.
قال: وصح ضرب مثل الجماعة بالواحد، كما قال: ﴿رَأَيتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ
كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي: كدوران [عيني] الذي يغشى عليه من الموت، وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. وقال بعضهم: تقدير الكلام مثل قصتهم كقصة الذين استوقدوا نارًا] [¬١].
[وقال بعضهم: المستوقد واحد لجماعة معه. وقال آخرون: الذي هاهنا بمعنى الذين، كما قال الشاعر:
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم … هم القوم كل القوم يا أم خالد] [¬٢] ((¬١٤٩)
قلت: وقد التفت في أثناء المثل من الواحد [¬٣] إلى الجمع في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. وهذا أفصح في الكلام وأبلغ في النظام، وقوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ أي أذهب عنهم ما [¬٤] ينفعهم، وهو النور، وأبقى لهم ما يضرهم، وهو الإحراق والدخان. ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق: ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾ لا يهتدون إلى سبل خير ولا يعرفونها، وهم مع ذلك ﴿صُمٌّ﴾ لا يسمعون خيرًا ﴿بُكْمٌ﴾ لا يتكلمون بما ينفعهم ﴿عُمْيٌ﴾ في ضلالة وعماية البصيرة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ فلهذا لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة.
(ذكر أقوال المفسرين من السلف بنحو ما ذكرناه)
قال السدّي في تفسيره (¬١٥٠) عن أبي مالك و [¬٥] عن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة الهمداني [¬٦] عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ زعم أنّ ناسًا دخلوا في الإسلام مَقْدَم نبي الله ﷺ المدينة ثم إنهم نافقوا، وكان [¬٧] مثلهم كمثل رجُل كان في ظلمة، فأوقد نارًا، فلما أضاءت [] [¬٨] ما حوله من قذى أو أذى فأبصره حتى عرف ما يتقي منه [¬٩]، فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره فأقبل لا يدري ما يتقي
من أذى، فكذلك [¬١] المنافق كان في ظلمة الشرك فأسلم فعرف الحلال والحرام، والخير من [¬٢] الشرِّ، فبينما هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشرِّ.
وقال مجاهد: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ أمّا إضاءة النار فإقبالهم [¬٣] إلى المؤمنين والهدى.
وقال عطاء الخراساني في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ قال: هذا [¬٤] مثل المنافق، يبصر أحيانًا ويحرف أحيانًا، ثم يدركه عمى القلب.
و [¬٥] قال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة والحسن، والسدّي والربيع بن أنس نحو قول عطاء الخراساني.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ إلى آخر الآية، قال: هذه صفة المنافقين، كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم، كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا نارًا [¬٦]، ثم كفروا فذهب الله بنورهم فانتزعه، كما ذهب بضوء هذه النار فتركهم في ظلمات لا يبصرون.
وقال العوفي عن ابن عباس (¬١٥١) في هذه الآية، قال: أمّا [¬٧] النور فهو إيمانهم الذي كانوا يتكلمون به، وأمّا الظلمة فهي ضلالتهم وكفرهم [الذي كانوا] [¬٨] يتكلمون به، وهم قوم كانوا على هدى ثم نُزع منهم فعتوا بعد ذلك.
وأمّا قول ابن جرير، فيشبه ما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (¬١٥٢) في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ قال: هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإسلام، فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العزَّ كما سُلب صاحب النار ضَوءه.
[وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي] [¬٩] اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ فإنما ضوء النار ما أوقدتها فإذا خمدت ذهب نورها، وكذلك المنافق، كلما تكلم