وقد استبانَ من هذا التَّوضيحِ أنَّه يَشدُّ من عَضُد التَّرشيحِ، وزيادةُ (كان) لاستمرار النَّفي، على أنَّ النَّفي اعتُبِرَ أوَّلًا ثمَّ قُيِّدَ، والتَّعويلُ في مثل هذا على القرائنِ.
ولشأنِهِ العجيبِ في إبراز الحقائقِ المستورةِ، ورفعِ الأستار عن وجه الخفيَّاتِ، أكْثَرَ اللّهُ تعالى في القرآن وسائرِ كُتبهِ الأمثالَ، وفَشَتْ في كلام رسولِ اللهِ ﷺ وسائرِ الأنْبياءِ.
والمثلُ في الأصل بمعنى: النَّظير، ثُمَّ نُقل في العُرف إلى القول السَّائرِ الممثَّل مَضْرِبُه بموردهِ، ولم يُسيِّروه ولم يجعلوهُ مَثَلًا إلَّا إذا خُصَّ بنوع من الغَرابة، ولهذا لم يُغيِّروه عمَّا وردَ عليه، ثُمَّ استُعير للصِّفة والحالِ والقصَّةِ إذا كانت عجيْبةَ الشَّأنِ وفيها غرابةٌ.
فالمعنى: حالُهم العجيبُ الشَّأنِ كحال المُستوقِد، فلا حاجةَ إلى معنى الجمعِ كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾ [الجمعة: ٥].
واستَوقدَ: من الوُقود، وهو سُطوع النَّار وارتفاعُ لهَبِها، وسينُ الاستفعالِ ليس للطَّلب والسؤال، بل للاهتمام والمبالغةِ في الإيْقاد.
والنَّارُ: جسمٌ لطيفٌ مُحرِقٌ، اشتقاقُها من نارَ ينورُ نَوْرًا: إذا نفَر؛ لأنَّ فيها حركةً واضطرابًا.
﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ الإضاءةُ: فرْطُ الإنارةِ، من الضوء الذي هو النُّور البالِغُ القويُّ، ومصداقُه قوله تعالى: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥]. وتأليفُ الحولِ: للدَّورانِ والإطافةِ، وقيل للعامِ: حَوْلٌ؛ لأنَّه يدورُ.
و (أضاءتْ) إمَّا متعدٍّ و (حولَه) مفعولٌ به، و (ما) زائدة. أو (ما) موصولةٌ مفعولٌ به، و (حوله) ظرفٌ صِلتُه؛ أي: جعلتْهُ النَّارُ مُضيْئًا.
وإمَّا لازمٌ مستنِدٌ إلى (ما حوله)، و (ما) موصولةٌ؛ أي: أضاءت الأماكنُ التي حولَ المستوقِدِ. أو إلى النَّار، و (ما حولَه) ظرفٌ لغوٌ لـ (أضاءت)، و (ما) زائدة، أو (حول) ظرفٌ في موضع الصِّلةِ، و (ما) موصولةٌ عبارة عن الأمكنة، والموصولُ مع الصِّلة مفعولٌ فيه.
وجوابُ (لمَّا) إمَّا قولُه: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ والضميرُ لـ (الذي)، وجمعُه للحمل على المعنى، وإنَّما لم يقلْ: بنارهم؛ لأنَّ في النار شيئينِ: حرارةً ونورًا، والله تعالى أذهبَ النُّورَ، وبَقيَ عليهم الحرُّ المحذور.
وإمَّا محذوفٌ دلَّ عليه ما بعدَه كما حُذِف في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥]؛ لاستطالة الكلامِ مع الأمنِ مِن اللَّبْس (¬١)، وفي الحذف إيجازٌ مع
الإفصاحِ (¬١) عن الصِّفة التي عليها المستوقِدُ بما هو أبلغُ في الدَّلالة على المعنى من اللَّفظ وهو العقلُ، كانه قال: فلمَّا أضاءت ما حوله خمدتْ فبَقُوا خابطينَ (¬٢) في ظلام، متحَسِّرينَ على فوات الضَّوء، خائبينَ بعدَ الكدحِ في إحياء النَّارِ. وما ذُكِر استئنافٌ؛ أي: جوابٌ للسؤال عن وجه الشَّبهِ لعدم ظهورهِ، أو بيانٌ لجملة المثَل (¬٣).
وإسنادُ الإذهابِ إلى الله تعالى لقصْد (¬٤) المبالَغةِ، ولذلكَ عُدِّي الفعلُ بالباء دونَ الهمزةِ؛ لِما فيها من معنى الاستِصْحابِ والاستمساكِ، يقال: ذهبَ السُّلطانُ بماله، إذا أخذَهُ، وما أخذَه اللهُ تعالى وما أمسكَه فلا مرسلَ لهُ.
وعدَلَ عن الضَّوء الذي هو مقتضَى الظَّاهرِ إلى النُّور، فإنَّه لو قيلَ: ذهبَ اللهُ بضوئهم، احْتَمَلَ أنْ يكونَ الذَّاهبُ ما في الضَّوء مِن الزِّيادة، والغرضُ إزالةُ النُّورِ عنهم رأسًا، ألا ترى كيفَ قرَّر ذلك وأكَّد بقوله:
﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ فذَكرَ الظُّلمةَ التي هي عدمُ النُّورِ والطُّمأنينةِ بالكلِّيّة، وجمَعَها ونكَّرها، ووصَفَها بالخلوص.
و (ترَكَ) بمعنى: طرَح وخلَّى، و (في ظلمات) متعلِّقٌ به، و (لا يُبصرونَ) في موضعِ الحالِ. أو (في ظلمات) في موضع الحال فيتعلَّق بمحذوفٍ، و (لا يبصرونَ) حالٌ أيضًا: إمَّا من الضمير في (تركَهم)، وإمَّا مِن الضمير المستكنِّ في المجرور.