للمعلوم، وعلى اعتباره مبنيّا للمجهول، ف ﴿كاتِبٌ:﴾ نائب فاعله، وعلى فك الفعل فالجزم ظاهر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): معطوفة على ما قبلها. ﴿شَهِيدٌ:﴾ معطوف على ﴿كاتِبٌ﴾. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أَنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿تَفْعَلُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والمفعول محذوف، التقدير: المضارة، والجملة الفعلية لا محل لها... إلخ. ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء:
واقعة في جواب الشرط. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿فُسُوقٌ:﴾ خبر (إنّ).
﴿بِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (﴿فُسُوقٌ﴾)، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ﴾ في محل جزم جواب الشرط، و (إنّ) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله. ﴿وَاتَّقُوا:﴾ فعل أمر وفاعله. (الله) منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وهو يعلمكم الله، والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة. هذا ورجّح الاستئناف على الحالية. ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ:﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى.
الشرح: لما ذكر الله تعالى النّدب إلى الإشهاد، والكتب لمصلحة حفظ الأموال والأديان؛ عقّب ذلك بذكر حال الأعذار المانعة من الكتب، وجعل لها الرّهن، ونصّ من أحوال العذر على السّفر الذي هو غالب الأعذار، لا سيّما في ذلك الوقت لكثرة الغزو. ويدخل في ذلك بالمعنى كلّ عذر، فربّ وقت يتعذّر فيه الكاتب في الحضر، كأوقات أشغال الناس، وباللّيل، وأيضا فالخوف على خراب ذمّة الغريم عذر، يوجب طلب الرهن، ولا سيما في هذا الزمن. وقد رهن النّبيّ ﷺ درعه عند يهوديّ طلب منه سلف الشّعير، فقال: إنما يريد محمد أن يذهب بمالي، فقال ﷺ: «كذب إنّي لأمين في الأرض، أمين في السّماء، ولو ائتمنني لأدّيت، اذهبوا إليه بدرعي» فمات، ودرعه ﷺ مرهونة عند اليهوديّ بثلاثين صاعا من شعير لأهله. أخرجه النّسائيّ من حديث ابن عباس-﵄، وفي الصحيحين عن عائشة، وأنس ما يشبه ذلك، واسم اليهودي: أبو الشّحم.
هذا وفي النّفس من هذا الرّهن شيء، ما الذي ألجأ الرّسول ﷺ إلى ذلك، والمسلمون فدوه بأرواحهم، وأموالهم، وعند وفاته ﷺ كان بعض المسلمين أثرياء، كعثمان وعبد الرحمن بن
عوف، وكثير من الأنصار كانوا على جانب عظيم من الثّراء. فكيف رضي المسلمون بهذا الرّهن، ولا سيّما بعد أن تفوه اليهوديّ بما تفوّه به، لا أجد تفسيرا لذلك؛ إلا أن النبي ﷺ أراد أن يضرب مثلا لحلّ معاملة أهل الكتاب بالبيع، والشّراء، والرّهن، وغير ذلك من أنواع المعاملات. والله أعلم.
هذا؛ والرهن: احتباس العين وثيقة بالحقّ، ليستوفى الحقّ من ثمنها، أو من ثمن منافعها عند تعذّر أخذه من الغريم. وهو في اللّغة بمعنى الدّوام، والثبوت، والاستمرار.
هذا؛ وبما أن الرّهن وثيقة لوفاء الدّين، لا يجوز للمرتهن الانتفاع بالمرهون، فقد أخرج الدّارقطني عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يغلق الرّهن، ولصاحبه غنمه وعليه غرمه»، المعنى: لصاحبه منفعته، وعليه نفقته، ومصروفه. قال ابن عبد البر: وقد أجمعوا: أنّ لبن الرهن، وظهره للرّاهن. هذا وغلق الرّهن في يد مرتهنه: إذا لم يفتكّ. قال الشاعر: [الطويل]
أجارتنا من يجتمع يتفرّق... ومن يك رهنا للحوادث يغلق
وقال زهير بن أبي سلمى: [البسيط]
وفارقتك برهن لا فكاك له... يوم الوداع فأمسى الرّهن قد غلقا
﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ أي: فإن كان الّذي عليه الحقّ أمينا عند صاحب الحقّ، ولم يرتهن منه شيئا لحسن ظنه به. ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ﴾ المعنى: فليؤد المدين الّذي عليه الحقّ، والذي كان أيضا في ظنّ الدّائن، الذي هو صاحب الحقّ أمينا، ﴿أَمانَتَهُ﴾ أي: حقّه، وسمى الدّين: أمانة-وإن كان مضمونا-لائتمانه عليه؛ حيث أمن من جحوده، فلم يكتب، ولم يشهد عليه، ولم يأخذ منه رهنا، وهذا حثّ للمدين على أن يكون عند حسن ظنّ الدائن الذي ائتمنه، وأن يؤدي إليه حقّه، الذي ائتمنه عليه.
﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ أي: المدين في أداء الحقّ عند حلول الأجل من غير مماطلة، ولا جحود، بل يعامله معاملة حسنة، كما أحسن ظنّه فيه، وخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «من أخذ أموال النّاس، يريد أداءها؛ أدّى الله عنه، ومن أخذ أموال النّاس يريد إتلافها؛ أتلفه الله». رواه البخاريّ، وغيره.
وعن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ ذكر رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشّهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيدا!.
قال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله وكيلا! قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمّى، فخرج في البحر، فقضى حاجته، ثم التمس مركبا يركبه يقدم عليه للأجل الذي أجّله، فلم يجد
مركبا، فأخذ خشبة، فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار، وصحيفة منه إلى صاحبها، ثمّ زجّج موضعها، ثمّ أتى بها البحر، فقال: اللهم إنّك تعلم أنّي تسلفت فلانا ألف دينار، فسألني كفيلا، فقلت: كفى بالله كفيلا! فرضي بك، وسألني شهيدا، فقلت: كفى بالله شهيدا! فرضي بك، وإنّي جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له، فلم أقدر، وإنّي أستودعكها! فرمى بها في البحر؛ حتّى ولجت فيه، ثمّ انصرف، وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده، فخرج الذي كان أسلفه ينظر لعلّ مركبا قد جاء بماله، فإذا الخشبة الّتي فيها المال، فأخذها حطبا لأهله، فلمّا نشرها وجد المال والصّحيفة، ثمّ قدم الذي كان أسلفه، وأتى بالألف دينار، فقال: والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبا قبل الذي جئت فيه، قال: هل كنت بعثت إليّ بشيء؟ قال: أخبرك أنّي لم أجد مركبا قبل الذي جئت فيه! قال: فإنّ الله قد أدّى عنك الذي بعثته في الخشبة، فانصرف بالألف الدينار راشدا»، رواه البخاريّ معلقا مجزوما، والنّسائي، وغيره مسندا.
﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ أي: إذا دعيتم إلى إقامتها، وأدائها، وذلك لأنّ الشاهد متى امتنع من إقامة الشّهادة، وكتمها؛ فقد أبطل بذلك حقّ صاحب الحقّ، فلهذا نهى عن كتمان الشهادة! وبالغ في الوعيد عليه، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ أي: فاجر قلبه، وإنما أضيف الإثم إلى القلب؛ لأن الأفعال من الدّواعي، والصّوارف إنما تحدث في القلب، فلمّا كان الأمر كذلك؛ أضيف الإثم إلى القلب، قيل: ما أوعد الله على شيء كإيعاده على كتمان الشّهادة، فإنّه تعالى، قال: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ وأراد به مسخ القلب، نعوذ بالله من ذلك! انتهى. خازن.
وقال النسفي-رحمه الله تعالى-: وإنّما أسند إلى القلب، والجملة هي الآثمة لا القلب وحده؛ لأنّ كتمان الشهادة إنّما يضمرها في القلب، ولا يتكلّم بها، فلمّا كان إثما مقترفا مكتسبا بالقلب؛ أسند إليه؛ لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ، كما تقول: هذا مما أبصرته عيني، وممّا سمعته أذني، وممّا عرفه قلبي، ولأن القلب رئيس الأعضاء، والمضغة التي إن صلحت؛ صلح الجسد كلّه، وإن فسدت؛ فسد الجسد كلّه، فكأنه قيل: فقد تمكّن الإثم في أصل نفسه، وملك أشرف مكان منه، ولأنّ أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح، ألا ترى أنّ أصل الحسنات والسّيئات، الإيمان، والكفر، وهما من أفعال القلوب؟! وإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب؛ فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب، وعن ابن عباس-﵄-قال: أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وشهادة الزّور، وكتمان الشّهادة، وهو مأخوذ من قول الرسول ﷺ وهو ما يلي:
فعن أبي موسى الأشعري-﵁-عن النبي ﷺ قال: «من كتم شهادة إذا دعي إليها، كان كمن شهد بالزّور» رواه البخاريّ.