﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ كرَّر لفظة (اللّه) ثلاثَ مراتٍ متوالياتٍ، وكان الثاني والثالث موضعَ كناية، ولهذا الباب قانونٌ يعرف به المستحسَن من المستقبَح، وهو: أن كلَّ تكرير على طريق تعظيم الأمر أو تحقيره في جملٍ متوالياتٍ كلُّ جملة منها مستقلةٌ بنفسها، فذلك غيرُ مستقبَحٍ، وإذا كان ذلك في جملةٍ واحدة، أو في جملٍ في معنًى واحد، ولم (¬١) يكن فيه التعظيم أو التحقير، فذلك مستقبَح.
وهذا ظاهر في الآية، فإن الجملة الأولى منها حثٌّ على التقوى، والثانيةَ تذكيرٌ بنعمته، والثالثةَ تعظيم له متضمِّن لوعدٍ ووعيدٍ شديد، وقُصد تعظيم كلِّ واحد من هذه الأحكام، فأعيد لفظةُ (اللّه) فيها.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ لم يقل: مسافرين؛ لِمَا بينهما من الفرق الظاهر، فإنَّ مَن دخل مدينةً ولم ينوِ الإقامة مسافرٌ، ولكنه ليس على سفرٍ، والمناسبُ لأنْ لُذكر تمهيداً لقوله: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ هو الثاني دون الأول.
﴿فَرِهَانٌ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: فالذي يُستوثَق به رهانٌ وهو جمع رهنٍ،
وهو العين المقبوض بالدَّين توثيقاً له، وقرئ: ﴿فَرِهَانٌ﴾ (¬١) وهو جمعُ جمعٍ.
قال الجوهري: كأنه يُجمع رَهْنٌ على رِهَانٍ، ثم يُجمعُ على رُهُنٍ، مثل: فِرَاشٍ وفُرُشٍ، ولا يجمع فَعْلٌ على فُعُلٍ إلا قليلاً شاذاً (¬٢).
و ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ نعتٌ للرهان، ودلَّ ذلك على أن حكمه دوامُ الحبس؛ فإنه لا يصير رَهناً إلا بابتداء القبض، فذِكرُ الرَّهن ذكرٌ لذلك القبض، ثم وصفُها بالمقبوضة بعد ذلك اشتراطٌ لدوام القبض فيها، وليس الغرضُ تخصيصَ الرَّهن بالسفر شرطاً في جوازه، لكنْ لمَّا كان السفر مَظِنَّةَ إعْوازِ الكاتب والشهيد أُرشد المسافر إلى حفظ المال بأنْ يقيم التوثُّقَ بالارتهان مقامَ التوثُّقِ بالكَتْب والإشهاد.
وعن مجاهد والضحاك: أنهما لم يجوِّزاه إلا في حال السفر أخذاً بظاهر الآية، وليس بشيء؛ لأن رسول اللّه ﷺ رهن درعه في حضَرٍ (¬٣)، وأمَّا القبض فلا بد من اعتباره على ما نبَّهت عليه (¬٤) آنفاً، وعليه الجمهور.
وقال مالك: يصحُّ الرهن بمجرَّد الإيجاب والقبول بدون القبض.
عليها بأنْ لم يَرتهن منه شيئاً؛ حثاً له على أن (¬١) يكون عند ظنه به، وفي تسمية الدَّين أمانةً أيضاً حثّ للمديون على أدائه، وإن كان مضموناً بخلافِ الأمانة.
وقرئ: (فإن أومن)؛ أي: آمَنَه الناس بأنْ وصفوه بالأمانة والدِّيانة والاستغناء عن الارتهان من مثله (¬٢).
﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ نهيٌ عن الخيانة وإنكار الحق على أبلغ وجه، وقد مرَّ وجه الجمع بين اسم الذات والوصف.
﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ خطاب للشهود.
﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، ﴿آثِمٌ﴾ خبر (إنَّ)، و ﴿قَلْبُهُ﴾ فاعل ﴿آثِمٌ﴾؛ أي: فإنه يأثم قلبُه. أو ﴿قَلْبُهُ﴾ مبتدأ و ﴿آثِمٌ﴾ خبره، والجملة خبر (إنَّ).