﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ إذا دايَنَ بعضُكم بعضاً، يقال: دايَنْتُ الرجل، إذا عامَلْتَه بدَينٍ معطياً أو آخذاً، كما تقول: بايعتُه، إذا بعتَه أو باعك، وأمَّا كونها نسيئةً فغيرُ معتبَرٍ في المُدايَنة، وإرادتُها في المقام لذكرِ الأَجَل.
وإنما قال: ﴿بِدَيْنٍ﴾ مع أنه مستفادٌ من التدايُن - للتعميم؛ أي: أيِّ دينٍ كان قليلاً أو كثيراً، أو لقطعِ احتمال معنًى آخر فإن المدايَنة قد يراد بها المجازاةُ.
وأما تنوُّعه إلى المؤجَّل والحالِّ فيُعلم من قوله:
﴿إِلَى أَجَلٍ﴾ ومرجعُ الضمير في ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ لا يلزمُ أن يكون مذكوراً، بل يكفي أن يكون مفهوماً في ضمن الكلام السابق.
هذا كلُّه بحسب جليلِ النظر، والذي بحسَب دقيقِه هو أنه لا بد مِن ذكر الدَّين ليتعلَّق الجارُّ به، فإنه لو لم يذكر لفُهم تعلُّقه بالتدايُن، ولا وجه له فإنَّ المبايعةَ إلى أَجَلٍ غيرُ مشروعة (¬١).
﴿مُسَمًّى﴾ معلومٍ موقَّتٍ بالسَّنة والشهور والأيام المعيَّنة، لا بالحصاد والدِّيَاس وقدوم الحاجِّ ونحوِ ذلك مما لا يتعيَّن.
﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ نبَّه على انقسام الدَّين إلى حالِّ ومؤجَّلٍ، وأمر بكتابة المؤجَّل على سبيل الندب والإرشاد؛ لأنَّه أوثق وآمَنُ من النسيان، وأبعدُ من الجحود.
وعن ابن عباس ﵄: أن المراد به السَّلَمُ، وقال: لمَّا حرَّم اللّه الرِّبا أباح السَّلَم. وسيأتي ما يتعلَّق بهذا المقام من الكلام.
﴿وَلْيَكْتُبْ﴾ قيَّده بقوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ ليكون أبعدَ عن الاشتباه والتهمةِ.
والتنكيرُ في ﴿كَاتِبٌ﴾ للتنبيه على أن المعتبَر كونُ الكتابة على الوجه (¬٢) المعهود، لا كونُ الكاتب معهوداً، ولهذا قيَّدها بقوله: ﴿بِالْعَدْلِ﴾.
وأطلق الكاتب، أي: وليَكْتب بالتَّسوية والاحتياط لا يَزيد على ما يجب ولا يَنقُص عنه، وهذا يدل اقتضاءً على أن الكاتب يجب أن يكون فقيهاً عالماً بالشروط حتى يكون مكتوبه معدَّلاً بالشرع، فيحصل ما هو المقصود من الكلام على تقديرِ تعلُّق القيدِ المذكور بالكاتب، وأمَّا الذي ذكرناه فيَفوت حينئذ، فالراجح تعلُّقه بالفعل.
والأمر في الحقيقة للمتداينينِ باختيار كاتبٍ فقيهٍ ديِّنٍ حتى يجيءَ مكتوبه موثوقاً (¬١) به معدَّلًا بالشرع.
﴿وَلَا يَأْبَ﴾؛ أي (¬٢): ولا يمتنعْ ﴿كَاتِبٌ﴾: أحد من الكتَّاب (¬٣) ﴿أَنْ يَكْتُبَ﴾، فإن تنكير ﴿كَاتِبٌ﴾ بعد النهي يُفيد العموم.
﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ مثلَ ما علَّمه اللّه من كتبةِ الوثائق، أو: لا يأبَ أن يَنفع الناسَ بكتابته كما نفَعَه اللّه تعالى بتعليمه؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧].
﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ تلك الكتابةَ المعلَّمة، أَمر بها - بعد النهي عن الإباء عنها - تأكيداً، وهذا لأن الفاء تدلُّ على أن (¬٤) الترتيب على السابق، ولأن ورود الأمر عَقيب ذلك النهي تأييداً له يُشعر (¬٥) بذلك كلَّ الإشعار.
ويجوز أن تتعلَّق الكاف بالأمر، فيكون النهي عن الامتناع منها مطلَقةً ثم الأمرُ بها مقيَّدةً، وهذا الوجه أحسنُ مِن جَعْل الأول تمهيداً له؛ لِمَا فيه من تدرُّجٍ وتفخيمٍ لشأن الكتابة على النهج المذكور، وفي تقديم ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ مبالغةٌ حسنةٌ، والأولُ أظهرُ وأقرب تناوُلاً.
﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ الإملالُ والإملاءُ: الإلقاءُ على الكاتب للكتابة،