(وَلَا يَابَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ): أي ولا يمتنع كاتب عن الكتابة.
(وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقٌّ): وليكن المدين الذي عليه الحق: هو الْمُلَقِّن والمُمْلي على الكاتب ما يكتبه، فإن الدَّيْن عليه، وهو المسئول عنه.
(وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا): ولا ينقص مَنْ عليه الحق شيئًا مما عليه من الدَّين، وإن كان صغيرًا.
(سَفِيهًا): أي مُبَذِّرًا لماله.
(أَوْ ضَعِيفًا): بأن كان صبيًا أو شيخًا خَرِفا.
(أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ): أو لا يقدر على التلقين، لخرس أو غيره من العوارض.
(فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ): فليلقن الكاتِبَ المتولَّي لأمر المدين بالعدل بينه وبين دائنه.
(أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى): أي شرع لكم شهادة المرأتين، بدلاً من الرجل الواحد في الدَّيْن؛ إرادة أن تُذكِّر إحداهما الأُخرى إن غاب عنها شيء مما تشهد عليه.
(وَلَا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا): ولا يمتنع الشهود عن الشهادة إذا دعوا إليها، و (ما) للتوكيد، وليست للنفي. وكثيرًا ما ترد بعد إذا.
(وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ): ولا تملوا وتضجروا من كتابة الدَّيْن إلى وقت حلوله، صغيرًا كان الدَّيْن أو كبيرًا.
(ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ): أي أعدل عنده تعالى.
(وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ): وأعون على أدائها.
(وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا): وأقرب إلى انتفاء رَيبكم وَشَكِّكُم.
(تِجَارةً حَاضِرَةً): أي لا أَجَلَ فيها. والتجارة: تَصرُّفٌ في المال بِعَوَضٍ لقصد الربح، سواءٌ أكان المال حاضرًا أم في الذمة.
(تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ): تتصرفون فيها يَدًا بيد، بلا تأجيل.
(فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا): أي لا حرج ولا إثم عليكم، أو لا مضرة في عدم كتابتها.
(وإِن تَفْعَلُوا): ما نهيتم عنه.
(فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ): أي فإنه خروج عن الطاعة متلبس بكم.
لما أمر الله سبحانه، بإنظار المعسر وتأجيله، أتبعه بيان الحقوق المؤَجلة، وعقود المداينة. فذكر هذه الآية الكريمة.
المعنى والأحكام:
الدَّيْن - كما قال القرطبي -: كل معاملة كان أحد العوضين فيها نَقْدًا، والآخر في الذمة، نسيئة أي مؤَجلاً، فإن الْعَيْنَ عند العرب ما كان حاضرًا، والدَّينَ ما كان غائبًا.
وقد بين الله هذا المعنى بقوله (إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى).
وهذه الآية نزلت في بيع السَّلم خاصة، كما قال ابن عباس، فقد أخرج البخاري، عن ابن عباس أنه قال:
"أشهد أن السلفَ المضمونَ إلى أجل مسمى - أن الله تعالى أحلَّه وأَذِنَ فيه. ثم قرأ الآية" اهـ.
والسلف المضمون هو السلَم، فإنه مضمون بالثمار والحبوب المؤَجلَّة المتعاقد عليها. ومع ذلك، فالآية عامة في كل دين.
والسلم بيع من البيوع الجائزة باتفاق، وهو أن يسلم رجل إلى آخر عِوَضًا كالدراهم والدنانير ونحوها، في مقابل حبوب، أو ثمار غير موجودة عنده، في وقت البيع ولكنها مؤَجلة إلى أجل معلوم، ومحددة الأوصاف والمقادير ومكان التسليم.
والشارع وإن كان نهى عن بيع ما ليس عندك لأنه غير مقدور عليه؛ ولأنه يفضي إلى الشقاق -فقد رخص مع ذلك في بيع السَّلَم رَفْعًا للحرج بين الناس- فإن صاحب رأس المال محتاج إلى أن يشتري الثمرة، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل ظهورها، لينفقه عليها. ولذا سماه الفقهاءُ: بيع المحاديج (¬١). ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة، ورأى أهلها يستلفون في الثمار السنتين والثلاث، أقرهم على ذلك، بعد أن شرع لهم قواعده،