هذه الآية الكريمة [أطول آية في القرآن العظيم] [¬١] وقد قال الإِمام أبو جعفر بن جرير (¬١٧١٧):
حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني سعيد بن المسيب، أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين.
وقال الإمام أحمد (¬١٧١٨): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، أنه قال: لما نزلت آية الدين قال رسول الله ﷺ: "إن أول من جحد آدم ﵇ أن الله لما خلق آدم مسح ظهره، فأخرج منه ما هو ذارئ [¬٢] إلى يوم القيامة، فجعل يعرض ذريته عليه، فرأى فيهم رجلًا يزهر [¬٣] (*)،
فقال: أي رب، من هذا؟ قال: هو ابنك داود. قال: أي رب، كم عمره؟ قال: ستون عامًا. قال: رب، زد في عمره. قال: لا إلا أن أزيده من عمرك. وكان عمر آدم ألف سنة، فزاده أربعين عامًا، فكتب عليه بذلك كتابًا، وأشهد عليه الملائكة، فلما احتضر آدم وأتته الملائكة قال: إنه قد بقي من عمري أربعون عامًا. فقيل له: إنك قد وهبتها لابنك داود، قال: ما فعلت. فأبرز الله عليه الكتاب وأشهد عليه الملائكة".
وحدثنا أسود بن عامر، عن حماد بن سلمة، فذكره، وزاد فيه: "فأتمها الله لداود مائة وأتمها [¬١] لآدم ألف سنة".
وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن يوسف بن [أبي حبيب] [¬٢]، عن أبي داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة.
هذا حديث غريب جدًّا، وعلي بن زيد بن جدعان في أحاديثه نكارة، وقد رواه الحاكم في مستدركه (¬١٧١٩)، بنحوه من حديث الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب [¬٣]، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ومن رواية داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن أبي هريرة. ومن طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. ومن حديث هشام [¬٤] بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، فذكره بنحوه.
فقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها؛ ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها، وأضبط للشاهد فيها. وقد نبه [على هذا في آخر الآية] حيث قال: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾.
وقال سفيان الثوري، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ قال: أنزلت في السلم إلي أجل معلوم.
وقال قتادة، عن أبي حسّان الأعرج، عن ابن عباس، قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أحله وأذن فيه، ثم قرأ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. رواه البخاري.
وثبت في الصحيحين (¬١٧٢٠) من رواية سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نَجِيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس، قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار [السنة و] [¬١] السنتين والثلاث، فقال رسول الله ﷺ: "من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم".
وقوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ أمر منه تعالى بالكتابة للتوثقة والحفظ، فإن قيل فقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّا أمة أمة لا نكتب ولا نحسب" (¬١٧٢١). فما الجمع بينه وبين الأمر بالكتابة؟ فالجواب: أن الدين من حيث هو غير مفتقر إلى كتابة أصلًا، لأن كتاب الله قد سهل الله ويسر حفظَهُ علي الناس، والسنن أيضًا محفوظة عن رسول الله ﷺ، والذي أمر الله بكتابته إنما هو أشياء جزئية تقع بين الناس، فأمروا أمر إرشاد لا أمر إيجاب، كما ذهب إليه بعضهم.
قال ابن جريج: من ادان فليكتب ومن ابتاع فليُشْهِد.
وقال قتادة: ذكر لنا أن أبا سليمان المرعشي كان رجلًا صَحِبَ كعبًا، فقال ذات يوم لأصحابه: هل تعلمون مظلومًا دعا ربه فلم يستجب له؟ فقالوا: وكيف يكون ذلك؟ قال: رجل باع بيعًا إلى أجل فلم يشهد ولم يكتب، فلما حل ماله جحده صاحبه، فدعا ربه فلم يستجب له، لأنه قد [¬٢] عصى ربه.
وقال أبو سعيد والشعبي، والربيع بن أنس، والحسن، وابن جريج، وابن زيد وغيرهم: كان ذلك واجبًا ثم نسخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ والدليل على ذلك أيضًا الحديث الذي حكي عن شرع من قبلنا مقررًا في شرعنا، ولم ينكر عدم الكتابة والإِشهاد.
قال الإِمام أحمد (¬١٧٢٢): حدثنا يونس بن محمد، حدثنا ليث، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه ذكر أن رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بشهداء