وفي الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب للحاضرين من اليهود فى قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾، لأَنهم خلف لهؤلاء السابقين، في السير على نهجهم فى نقض العهود وعدم احترام المواثيق، فكأَنهم هم، فلذا خوطوا بتوليهم وإِعراضهم.
﴿اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾: آثروا متاعها على نعيم الآخرة.
التفسير
ذكر الله بني إسرائيل فى الآية السابقة، بأَهم الأَوامر التي أَخذوا العهد عليهم بالإتيان بها، وأنهم لم يأتمررا بها. ونقضوا الميثاق الذى واثقهم به.
وهنا، ذكَّرهم بأهم المنهيات، التى أخذ الميثاق عليهم في التوراة: بأَن ينتهوا عنها، فلم ينتهوا. على سياق الالتفاف إلى الخطاب الذي ختمت به الآية السابقة. فإن الميثاق بذلك - وإن كان على أسلافهم- غير أن المعاصرين منهم للدعودة الإِسلامية. يزعمون تمسكهم بالتوراة، وأنهم عاملون بها. فلذا خوطبوا بأنهم خالفوا ما أخذ عليهم فيها من المواثيق كما صنع أسلافهم. وذلك لإلزامهم بما يزعمون تمسكهم به.
وقدم توبيخهم على ترك امتثال الأوامر، على التوبيخ على عدم اجتناب النهيات؛
لأَن الأوامر هي الاصل فى التكاليف الشرعية. كل نهى عن فعل، أمر بضده. فالنهي عن
الزنى، أمر بالعفة، وهكذا، فالأَمر هو الأساس. والنهي تابع له.
أخذ الله عليهم الميثاق بأ إلاَّ يسفك بعضهم دم بعض.: عبر عنه بقوله:
﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾: إشعار بأن دم كل فرد من أفراد الأُمة، كأنه دم الآخر. فإذا سفكه فكأنه سفك دم نفسه.
وكذلك واثقهم ألا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم، كما بينه بقوله: ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾: يدخل فى معنى الإِخراج من الديار المنهى عنه: أن يتصدى الرجل لايذاء جاره، حتى يلجئه إِلى الخروج من داره.
ومن الإخراج: أن يكونوا سببا فيه، كما حدث من اليهود في خيانتهم لعهودهم مع المسلمين، إذ كانت خيانتهم لهم، سببا في إخراجهم من ديارهم حول المدينة عقايا لهم.
﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: ثم أنتم -أيها المعاصرون للنبى ﷺ قد أقررتم بهذا الميثاق، واعترفتم بلزوم العمل بمقتضاه، وأنتم تشهدون على أنفسكم باعترافكم به، ولزوم العمل بمفتضاه، وذلك مثل قولك: أقر فلان بكذا شاهدًا على نفسه.
أو المعنى: وأنتم تشهدون اليوم على أسلافكم: أنهم أقروا بهذا الميثاق.
وسواءٌ أكان المعنى هذا، أم ذاك، فإنه يقتضى أَن يعمل اليهود المعاصرون للرسول، بالميثاق الذي أخذه الله على اليهود في كتابهم، حيث إنهم معترفون به، زاعمون أنهم متمسكون بالتوراة.
وهذا من باب الإلزام لهم بما يعتقدون وما يعترفون به، لا من باب أن التوراة لا يزالون مكلفين باتباعها، فقد نسخت بالقرآن.
وقد تضمن هذا الميثاق أربعة أمور تعتبر أساسا لمجتمع فاضل، يسوده السلامِ والطمأنينة، والعدالة والمودة والرحمة: ألا يسفك بعضهم دم بعض، وألا يخرجه من داره، وألا يتظاهر عليه بالإثم والعدوان، وأن يفتديه إذا أُسر. ولكنهم لم يعملوا بهذا الميثاق، كما تحدثت به الآية الكريمة، إذ تقول:
وقوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾: خطاب خاص باليهود المعاصرين للرسول، فيه توبيخ شديد لهم واستنكار واستبعادٌ قوىّ. لما ارتكبوه بعد إقرارهم الميثاق، وشهادتهم عليه. و ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ، و ﴿هَؤُلَاءِ﴾: خبره. ومناط الإفادة اختلاف الصفات، وإن اتحدت الذات، إِذ المعنى: ثم أنتم- بعد ذلك الميثاق والإقرار والشهادة- هؤُلاءِ] المشاهدون الناقضون المتناقضون، كما تعرب عنه الجمل الآتية:
﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ … ﴾ إلخ، فإنها بيان للخبر، وتفصيل لأحوالهم المدرجة تحت إسم الإشارة ضمنا ة كأنهم قالوا: كيف نحن؛ فقيل: تقتلون أنفسكم، وذلك يشبه قولك: أنت ذلك الرجل الذي فعل كذا وكذا.