﴿ثُمَّ أَنْتُمْ..﴾. أنتم مبتدأ، و ﴿هؤُلاءِ﴾ خبره و ﴿تَقْتُلُونَ﴾ جملة فعلية حال من «أولاء». ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى﴾ أسارى: حال من ضمير الفاعل في ﴿يَأْتُوكُمْ﴾ وأسارى على وزن فعالى، وأكثر ما يجيء «فعالى» في جمع فعلان نحو سكران وكسلان، ولما كان الأسير محبوسا عن التصرف في الأمور أشبه السكران والكسلان، لأنهما كالمحبوسين عن التصرف لاستيلاء السكر والكسل عليهما. ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ﴾ هو: أي الإخراج الذي دل عليه قوله: ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً﴾ مبتدأ، و ﴿مُحَرَّمٌ﴾ خبره، و ﴿إِخْراجُهُمْ﴾ بدل من ﴿هُوَ﴾ ويصح جعل ﴿هُوَ﴾ ضمير الشأن، وهو مبتدأ أول، وإخراجهم مبتدأ ثان، ومحرم: خبر مقدم، والجملة من المبتدأ والخبر خبر المبتدأ الأول ومفسرة له، وتكون جملة: هو والخبر اعتراضية ﴿فَما جَزاءُ.﴾. ما: استفهامية:
أي، أي شيء جزاء من يفعل ذلك منكم، و ﴿فَما﴾ مبتدأ، و ﴿جَزاءُ﴾ خبره، و ﴿خِزْيٌ﴾ بدل من جزاء. ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ ظرف زمان منصوب، وعامله ما بعده وهو ﴿يُرَدُّونَ﴾.
﴿تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ تريقونها بقتل بعضكم بعضا. ﴿وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ﴾ لا يخرج بعضكم بعضا من داره. ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ قبلتم ذلك الميثاق. ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ على أنفسكم.
﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يقتل بعضكم بعضا. ﴿تَظاهَرُونَ﴾ تتظاهرون أي تتعاونون عليهم.
﴿بِالْإِثْمِ﴾ بالمعصية أو الذنب: وهو الفعل الذي يستحق فاعله الذم واللوم. ﴿وَالْعُدْوانِ﴾ الظلم والاعتداء. ﴿أُسارى﴾ أسرى جمع أسير، أي مأسورين. ﴿تُفادُوهُمْ﴾ تنقذوهم من الأسر بالفداء من مال أو غيره، وهو مما عهد إليهم. ﴿خِزْيٌ﴾ هوان وذل.
﴿اِشْتَرَوُا﴾ استبدلوا.
المناسبة التاريخية المتجددة:
كان سفك الدماء وتقاتل اليهود وطرد بعضهم بعضا من ديارهم ظاهرة شائعة فيهم، وظللت هذه الظاهرة إلى عصر التنزيل القرآني، فكان يهود بني قريظة حالفوا الأوس، ويهود بني النضير حالفوا الخزرج، فإذا نشبت الحرب بينهم، كان كل فريق من اليهود يقاتل مع حلفائه، فيقتل اليهودي يهوديا آخر، ويخرب بعضهم ديار بعض، ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث والمال، مع أن ذلك محرم عليهم بنص التوراة، وإذا أسر بعضهم فدوهم بالمال، وكانوا إذا سئلوا، لم تقاتلونهم وتفدونهم، قالوا: أمرنا-أي في التوراة- بالفداء، فيقال: فلم تقاتلونهم؟ فيقولون: حياء أن تستذل حلفاؤنا، فأنزل الله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (¬١)
وكانت الآيات السابقة تذكيرا لبني إسرائيل الذين كانوا في عصر موسى ﵇ بأهم الأوامر التي أمروا بها من عبادة الله وحده والإحسان إلى الوالدين وذوي القربى وغير ذلك، أما هذه الآيات فكانت للتذكير بأهم المنهيات التي خطرت عليهم، والخطاب للحاضرين في عصر النّبي محمد ﷺ، وهو دليل على تضامن الأمة، وأنها كالفرد يصيب خلفها أثر ما كان عليه سلفها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
التفسير والبيان:
واذكر يا محمد لليهود وقت أخذنا عليهم في التوراة العهد بأن لا يقتل بعضهم بعضا، ولا يخرج بعضهم بعضا من دياره ووطنه. وفي تعبير «دماءكم، وأنفسكم، ودياركم» إشارة إلى أن دم غيره من المجتمع كدم نفسه، فمن قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا، وهو ما تقرره الآية (٣٢) من سورة المائدة.
ثم أقررتم أيها اليهود المعاصرون بالميثاق الذي أخذ على أسلافكم، ولم تنكروه، فالحجة قائمة عليكم.
ثم أنتم بعد الاعتراف بالميثاق تنقضون العهد، فيقتل بعضكم بعضا، كما كان يفعل من قبلكم، فكانت بنو قينقاع أعداء بني قريظة، وكان يهود بني قريظة حلفاء الأوس يقاتلون يهود بني النضير حلفاء الخزرج، إذا تقاتل الأوس والخزرج، وكان مقتضى الاتفاق في الدين واللغة والنسب بين اليهود أن يكونوا جميعا صفا واحدا.
وكذلك كان كل من اليهود يعاون حلفاءه على إخوانه اليهود بالإثم كالقتل والسلب والنهب، والعدوان كالإخراج من الديار. وكانوا إذا تم الاتفاق على مفاداة الأسرى، يفدي بالمال كل فريق من اليهود أبناء جنسه، عملا بالكتاب