Kitab tafsir: Tafsir Ibni 'Asyur
· Pengarang: ابن عاشور
لِأَنَّ مُقْتَضَى فِعْلِ الْعِلْمِ غَيْرُ مُقْتَضَى فِعْلِ (كُتِبَ) . فَلِذَلِكَ كَانَتْ (مَنْ) فِي قَوْلِهِ مَنْ يُحادِدِ شَرْطِيَّةً لَا مَحَالَةَ وَكَانَ الْكَلَامُ جَارِيًا عَلَى اعْتِبَارِ الشَّرْطِيَّةِ وَكَانَ الضَّمِيرُ هُنَالِكَ فِي قَوْلِهِ أَنَّهُ ضَمِيرَ شَأْنٍ.
وَلَمَّا كَانَ الضَّلَالُ مُشْتَهِرًا فِي مَعْنَى الْبُعْدِ عَنِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ لَمْ يُحْتَجْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى ذِكْرِ مُتَعَلِّقِ فِعْلِ يُضِلُّهُ لِظُهُورِ الْمَعْنَى.
وَذُكِرَ مُتَعَلِّقُ فِعْلِ يَهْدِيهِ وَهُوَ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ لِأَنَّ تَعَلُّقَهُ بِهِ غَرِيبٌ إِذِ الشَّأْنُ أَنْ يَكُونَ الْهُدَى إِلَى مَا يَنْفَعُ لَا إِلَى مَا يَضُرُّ وَيُعَذِّبُ.
وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ مُحَسِّنُ الطِّبَاقِ بِالْمُضَادَّةِ. وَقَدْ عُدَّ مِنْ هَذَا الْفَرِيقِ الشَّامِلِ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ.
وَقِيلَ نَزَلَتْ فِيهِ كَانَ كَثِيرَ الْجَدَلِ يَقُولُ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَالْقُرْآنُ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، وَاللَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى إِحْيَاءِ أَجْسَادٍ بَلِيَتْ وَصَارَتْ تُرَابًا. وَعُدَّ مِنْهُمْ أَيْضًا أَبُو جَهْلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَقْصُودَ بِقَوْلِهِ مَنْ يُجادِلُ مُعَيَّنًا خَصَّ الْآيَةَ بِهِ، وَلَا وَجْهَ لِلتَّخْصِيصِ وَمَا هُوَ إِلَّا تَخْصِيصٌ بِالسَّبَبِ.
[٥]
[سُورَة الْحَج (٢٢) : آيَة ٥]
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ مَا نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ مَا نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً
Juz 17, halaman 195 ›
أَعَادَ خِطَابَ النَّاسِ بَعْدَ أَنْ أَنْذَرَهُمْ بِزَلْزَلَةِ السَّاعَةِ، وَذَكَرَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَأَعَادَ خِطَابَهُمْ بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَى إِمْكَانِ الْبَعْثِ وَتَنْظِيرِهِ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ. وَهُوَ الْخَلْقُ الْأَوَّلُ. قَالَ تَعَالَى: أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق:
١٥] . فَالَّذِي خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَدَمٍ وَأَخْرَجَهُ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ كَوَّنَهُ مِنْ مَاءٍ. ثُمَّ خَلَقَهُ أَطْوَارًا عَجِيبَةً، إِلَى أَنْ يَتَوَفَّاهُ فِي أَحْوَالِ جِسْمِهِ وَفِي أَحْوَالِ عَقْلِهِ وَإِدْرَاكِهِ، قَادِرٌ عَلَى إِعَادَةِ خَلْقِهِ بَعْدَ فَنَائِهِ.
وَدخُول الْمُشْركين بادىء ذِي بَدْءٍ فِي هَذَا الْخِطَابِ أَظْهَرُ مِنْ دُخُولِهِمْ فِي الْخِطَابِ السَّابِقِ لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْبَعْثَ، فَالْمَقْصُودُ الِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِمْ وَلِذَلِكَ قِيلَ إِنَّ الْخِطَابَ هُنَا خَاصٌّ بِهِمْ.
وَجُعِلَ رَيْبُهُمْ فِي الْبَعْثِ مَفْرُوضًا بِ (إِنْ) الشَّرْطِيَّةِ مَعَ أَنَّ رَيْبَهُمْ مُحَقَّقٌ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْمَقَامَ لَمَّا حَفَّ بِهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْمُبْطِلَةِ لِرَيْبِهِمْ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ مَقَامِ مَنْ لَا يَتَحَقَّقُ رَيْبُهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ [الزخرف: ٥] .
وَالظَّرْفِيَّةُ الْمُفَادَةُ بِ (فِي) مَجَازِيَّةٌ. شُبِّهَتْ مُلَابَسَةُ الرَّيْبِ إِيَّاهُمْ بِإِحَاطَةِ الظَّرْفِ بِالْمَظْرُوفِ.
وَجُمْلَةُ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ جَوَابِ الشَّرْطِ وَلَكِنَّهَا لَا يَصْلُحُ لَفْظُهَا لِأَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِهَذَا الشَّرْطِ بَلْ هِيَ دَلِيلُ الْجَوَابِ، وَالتَّقْدِيرُ: فَاعْلَمُوا أَوْ فَنُعْلِمُكُمْ بِأَنَّهُ مُمْكِنٌ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ مِثْلِ الرُّفَاتِ الَّذِي تَصِيرُ إِلَيْهِ الْأَجْسَادُ بَعْدَ الْمَوْتِ، أَوِ التَّقْدِيرُ: فَانْظُرُوا فِي بَدْءِ خَلْقِكُمْ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ.
Juz 17, halaman 196 ›
وَالَّذِي خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ هُوَ أَصْلُ النَّوْعِ، وَهُوَ آدَمُ- ﵇ وَحَوَّاءُ، ثُمَّ كُوِّنَتْ
فِي آدَمَ وَزَوْجِهِ قُوَّةُ التَّنَاسُلِ، فَصَارَ الْخَلْقُ مِنَ النُّطْفَةِ فَلِذَلِكَ عُطِفَتْ بِ (ثُمَّ) .
وَالنُّطْفَةُ: اسْمٌ لِمَنِيِّ الرَّجُلِ، وَهُوَ بِوَزْنِ فُعْلَةٍ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَيْ مَنْطُوفٍ، وَالنَّطْفُ:
الْقَطْرُ وَالصَّبُّ. وَالْعَلَقَةُ: الْقِطْعَةُ مِنَ الدَّمِ الْجَامِدِ اللِّينِ.
وَالْمُضْغَةُ: الْقِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ بِقَدْرِ مَا يُمْضَغُ مِثْلُهُ، وَهِيَ فِعْلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ بِتَأْوِيلِ:
مِقْدَارٍ مَمْضُوغَةٍ. وَ (ثُمَّ) الَّتِي عُطِفَ بِهَا ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ عَاطِفَةُ مُفْرَدَاتٍ فَهِيَ لِلتَّرَاخِي الْحَقِيقِيِّ.
وَ (مِنْ) الْمُكَرَّرَةُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ هُنَا ابْتِدَائِيَّةٌ وَتَكْرِيرُهَا تَوْكِيدٌ.
وَكَوْنُ الْإِنْسَانِ مَخْلُوقًا مِنَ النُّطْفَةِ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الطِّبِّ أَنَّ فِي رَحِمِ الْمَرْأَةِ مُدَّةَ الْحَيْضِ جُزْءًا هُوَ مَقَرُّ الْأَجْرَامِ الَّتِي أُعِدَّتْ لِأَنْ يَتَكَوَّنَ مِنْهَا الْجَنِينُ، وَهَذَا الْجُزْءُ مِنَ الرَّحِمِ يُسَمَّى فِي الِاصْطِلَاحِ الطِّبِّيِّ (الْمَبِيضَ) - بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى وَزْنِ اسْمِ الْمَكَانِ- لِأَنَّهُ مَقَرُّ بَيْضَاتٍ دَقِيقَةٍ هِيَ حُبَيْبَاتٌ دَقِيقَةٌ جِدًّا وَهِيَ مِنَ الْمَرْأَةِ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْضَةِ مِنَ الدَّجَاجَةِ أَوْ بِمَنْزِلَةِ حُبُوبِ بَيْضِ الْحُوتِ، مُودَعَةٌ فِي كُرَةٍ دَقِيقَةٍ كَالْغِلَافِ لَهَا يُقَالُ لَهَا (الْحُوَيْصِلَةُ) - بِضَمِّ الْحَاءِ بِصِيغَةِ تَصْغِيرِ حَوْصَلَةٍ- تَشْتَمِلُ عَلَى سَائِلٍ تَسْبَحُ فِيهِ الْبَيْضَةُ فَإِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ ازْدَادَتْ كَمِّيَّةُ ذَلِكَ السَّائِلِ الَّذِي تَسْبَحُ فِيهِ الْبَيْضَةُ فَأَوْجَبَ ذَلِكَ انْفِجَارَ غِلَافِ الْحُوَيْصَلَةِ، فَيَأْخُذُ ذَلِكَ السَّائِلُ فِي الِانْحِدَارِ يَحْمِلُ الْبَيْضَةَ السَّابِحَةَ فِيهِ إِلَى قَنَاةٍ دَقِيقَةٍ تُسَمَّى (بُوقَ فُلُوبْيُوسَ) لِشِبْهِهِ بِالْبُوقِ، وَأُضِيفَ إِلَى (فُلُوبْيُوسَ) اسْمِ مُكْتَشِفِهِ وَهُوَ الْبَرْزَخُ بَيْنَ الْمَبِيضِ وَالرَّحِمِ،
Juz 17, halaman 197 ›
Pembahasan ayat ini masih 6 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.