ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿١٥٤﴾
Kitab tafsir: Tafsir ath-Thabari
· Pengarang: ابن جرير الطبري
وكما حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ (¬١) وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾. قال: على ما فاتكم مِن الغَنيمةِ التي كنتم تَرْجُون، وَلَا تَحْزَنُوا على ما أصَابكم مِن الهزيمةِ.
وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. فإنه يعنى جلَّ ذكرُه: واللهُ بالذي تَعْمَلون أيُّها المؤمنون - مِن إصْعادِكم في الوادى هَرَبًا مِن عدوِّكم، وانهزِامِكم، وتَرْككم نبيَّكم وهو يَدْعُوكم في أُخْراكم، وحُزْنِكم على ما فاتكم من عدوِّكم، وما أصابكم في أنفسِكم منهم - ذو خبرةٍ وعلمٍ، وهو مُحْصٍ ذلك كلَّه عليكم حتى يُجازيَكم به؛ المُحْسِن منكم بإحْسانِه، والمسيء بإساءتِه، أو يَعْفُو عنه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾.
يعنى بذلك جل ثناؤُه: ثم أنزَل اللهُ أيُّها المُؤْمِنون من بعدِ الغمِّ الذي أثابَكم ربُّكم بعد غَمٍّ تقَدَّمه قبلَه، ﴿أَمَنَةً﴾ وهى الأمانُ على أهلِ الإخلاصِ منكم واليَقينِ، دونَ أهلِ النِّفاقِ والشَّكِّ.
ثم بيَّن تعالى ذكُره عن "الأمَنَةِ" التي أنْزَلها عليهم ما هي؟ فقال: ﴿نُعَاسًا﴾. ينصب "النُّعاسِ" على الإبْدالِ مِن "الأَمَنةِ".
ثم اخْتَلَفَت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿يَغْشَى﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأَةِ الحِجازِ والمدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكُوفِيِّين بالتَّذْكِيرِ بالياءِ: ﴿يَغْشَى﴾ (¬٢).
Juz 6, halaman 159 ›
وقرَأته جماعةٌ مِن قَرأَةِ الكُوفيين بالتأنيثِ: (تَغْشَى) بالتاءِ (¬١).
وذهَب الذين قرَءوا ذلك بالتَّذْكيرِ إلى أن النُّعاسَ هو الذي يَغْشَى الطائفةَ مِن المؤمنين دونَ الأمَنةِ، فذكَّره بتذكيرِ النُّعاسِ.
وذهَب الذين قرَءوا ذلك بالتأنيثِ إلى أن الأمنةَ هي التي تَغْشاهم، فأنَّثُوه لتأنيثِ الأمَنةِ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان مَعْروفتانِ مُسْتَفِيضتان في قَرأةِ الأمْصارِ، غيرُ مختلفَتَين في معنًى ولا غيرِه؛ لأن الأمنةَ في هذا الموضعِ هي النُّعاسُ، والنعاسُ هو الأمَنةُ، وسواءٌ ذلك، وبأيَّتهما قرَأ القارئُ فهو مُصِيبٌ الحقَّ في قراءتِه، وكذلك جَميعُ ما في القرآنِ مِن نَظائرِه، مِن نحوِ قولِه: (إِن شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعامُ الأثيمِ * كالمُهْلِ تَغْلِى في البطونِ) [الدخان: ٤٣ - ٤٥]. و: (ألم يكُ نُطْفةً من منيٍّ تُمْنَى) [القيامة: ٣٧]. و: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ﴾ (¬٢) [مريم: ٢٥].
فإن قال قائلٌ: وما كان السببُ الذي مِن أجْلِه افْتَرَقَت الطائفتان اللتان ذكَرَهما اللهُ ﵎، فيما افْتَرَقَتا فيه من صفتَيْهما، فأمِنت إحداهما بنفسِها حتى نَعَسَت، وأهمَّت الأخرى أنفسُها ظنَّت باللهِ غيرَ الحقَّ ظنَّ الجاهليةِ؟
قيل: كان سببُ ذلك فيما ذُكِر لنا كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: إن المشركين انْصَرَفوا يومَ أحدٍ بعدَ الذي كان مِن أمرِهم وأمْرِ المسلمين، فواعَدوا النبيَّ ﷺ بدرًا مِن قابلٍ، فقال لهم: "نعم". فتخَوَّف المسلمون أن يَنْزِلوا المدينةَ، فبعَث رسولُ اللهِ ﷺ رجلًا، فقال: "انْظُرْ، فإن رأيْتَهم قعَدوا على أثقالِهم، وجنَبوا (¬٣) خيولَهم، فإن
Juz 6, halaman 160 ›
القومَ ذاهبون، وإن رأيْتَهم قد قعَدوا على خُيولِهم، وجنَبوا (¬١) أثقالَهم، فإن القومَ يَنْزِلون المدينةَ، فاتَّقوا الله واصْبِروا". ووطَّنَهم على القتالِ، فلما أبْصَرَهم الرسولُ قد قعَدوا على الأثقالِ سراعًا عِجالًا، نادَى بأعلى صوتِه بذهابِهم، فلمَّا رأى المؤمنون ذلك، صدَّقوا نبيَّ اللهِ، فناموا، وبقى أناسٌ مِن المنافقين يَظُنُّون أن القومَ يَأْتُونهم، فقال اللهُ جل ثناؤُه، يَذْكُرُ حينَ أخْبرَهم النبيُّ ﷺ، إن كانوا ركِبوا الأثقالَ، فإنهم مُنطَلِقون، فناموا: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ (¬٢) مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ (¬٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: أمَّنهم يومَئذٍ بنُعاسٍ غشَّاهم [بعدَ خوفٍ] (¬٤)، وإِنما يَنْعُسُ مَن يَأْمَنُ، ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ (٣).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أَبي عَدِيٍّ، عن حُميدٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، عن أبي طلحةَ، قال: كنتُ في مَن أُنْزِل عليه النُّعاسُ يومَ أحدٍ أَمَنَةً، حتى سقَط مِن يدى مِرارًا (¬٥). يعني (¬٦) سيفَه.
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، عن أبي طلحةَ، قال: رفَعْتُ رأسى يومَ أحدٍ، فَجَعَلْتُ
Juz 6, halaman 161 ›
Pembahasan ayat ini masih 9 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.