وهو جائزٌ عقلًا عند الأشعريَّةِ، ومحالٌ عقلًا عند المعتزلةِ.
واتَّفقوا على أنه لم يقعْ في الشريعةِ.
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أي: من الحسنات.
﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أي: من السيئات.
وجاءت العبارة بـ ﴿لَهَا﴾ في الحسنات؛ لأنها مما ينتفع العبدُ به، وجاءت في السيئات بـ ﴿عَلَيْهَا﴾؛ لأنها مما يَضرُّ بالعبد.
وإنما قال في الحسنات ﴿كَسَبَتْ﴾ وفي الشرِّ (¬١) ﴿اكْتَسَبَتْ﴾:
لأنَّ في الاكتساب ضربًا من الاعتمال والمعالجة، حسّبما تقتضيه صيغة: «افتعل»؛ فالسيئات فاعلُها يتكلَّف مخالفة أمر الله، ويتعدَّاه، بخلاف الحسنات؛ فإنه فيها على الجادَّةِ من غير تكلُّفٍ.
أو لأنَّ السيئات يجدُّ في فعلها؛ لميل النفس إليها، فجعلت لذلك مُكتَسبَة، ولما لم يكن الإنسان في الحسنات كذلك: وُصفت بما لا دلالةَ فيه على الاعتمال.
﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ أي: قولوا ذلك في دعائكم (¬٢).
ويحتمل أن يكون من بقيَّةِ حكاية قولهم؛ كما حكى عنهم قولَهم: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾.
والنِّسيانُ هنا: هو الذُّهُولُ الغالبُ على الإنسانِ.
والخطأُ: غير العمدِ؛ فذلك معنى قوله ﷺ: «رُفِع عن أمَّتي الخطأُ والنسيانُ» (¬١).
وقد كان يجوز أن يُؤاخَذَ به لولا أنَّ الله رفَعه.
﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ التكاليفُ الصعبة؛ كانت قد كُلِّفَتْ لمن تقدَّم من الأمم؛ كقتل أنفسهم، وقَرْض أبدانهم، ورُفِعت عن هذه الأمة؛ قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وقيل: الإصرُ: المسخُ قردةً وخنازيرَ.
﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ هذا الدعاء دليلٌ على جواز تكليف ما لا يطاق؛ لأنه لا يدعى برفع ما لا يجوز أن يقع، ثم إنَّ الشرع دفع وقوعه.
وتحقيقُ ذلك: أنَّ ما لا يطاق أربعةُ أنواع:
الأول: عقليٌّ محض؛ كتكليف الإيمان لمن علم الله أنه لا يؤمن:
فهذا جائزٌ، وواقعٌ باتِّفاق.
والثاني: عاديٌّ؛ كالطَّيران في الهواء.
والثالث: عقليٌّ وعادي؛ كالجمع بين الضِّدَّين.
فهذان وقع الخلاف في جواز التكليف بهما، والاتفاق على عدم وقوعه.