والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿سَمِعْنا:﴾ فعل وفاعل، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَأَطَعْنا:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول محذوف أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿آمَنَ..﴾. إلخ.
﴿غُفْرانَكَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: اغفر غفرانك، أو هو مفعول به ثان لفعل محذوف، التقدير: نسألك غفرانك، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية على الوجهين في محل نصب مقول القول. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء. (ونا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول أيضا. (﴿إِلَيْكَ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمَصِيرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على محذوف، التقدير: منك المبتدأ، وإليك المصير، والكلام كلّه في محل نصب مقول القول.
الشرح: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها:﴾ التكليف: ما فيه كلفة، وقد يكون فيه مشقّة، وتكلّفت الأمر: تجشمته، وهذا نصّ على أنّ الله تعالى لا يكلف العباد من وقت نزول الآية عبادة من أعمال القلوب، أو الجوارح إلا وهي في وسع المكلّف، وفي مقتضى إدراكه، ومقدوره، وبهذا انكشفت الكربة عن المسلمين في تأولهم أمر الخواطر، وفي معنى هذه الآية ما حكاه أبو هريرة-﵁-قال: ما وددت: أنّ أحدا ولدتني أمّه إلا جعفر بن أبي طالب ﵁، فإنّي تبعته يوما، وأنا جائع، فلمّا بلغ منزله؛ لم يجد فيه سوى نحي سمن قد بقي فيه أثارة، فشقّه بين أيدينا، فجعلنا نلعق ما فيه من السّمن، والرّبّ (دبس التمر إذا طبخ) وهو يقول: [البسيط]
ما كلّف الله نفسا فوق طاقتها... ولا تجود يد إلاّ بما تجد
وقال ابن عباس-﵄-في رواية عنه: هم المؤمنون خاصّة، وسّع الله عليهم أمر دينهم، ولم يكلفهم ما لا يستطيعون، كما قال: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ،﴾ وهذا من لطفه تعالى بخلقه، ورأفته
بهم، وإحسانه إليهم، وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصّحابة في قوله تعالى:
﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ أي: هو وإن حاسب، وسأل؛ لكن لا يعذب إلا بما يملك الشّخص دفعه، فأمّا ما لا يملك دفعه من وسوسة النّفس، وحديثها؛ فهذا لا يكلّف به الإنسان، وكراهية الوسوسة السّيئة من الإيمان.
فعن أبي هريرة-﵁-قال: جاء ناس من أصحاب رسول الله ﷺ، فسألوه، فقالوا: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلّم به، قال: «وقد وجدتموه؟!» قالوا: نعم، قال: «ذاك صريح الإيمان» أخرجه مسلم، وسئل رسول الله ﷺ عن الوسوسة، قال: «تلك صريح الإيمان» أخرجه مسلم أيضا.
هذا وذكرت الجملة: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ في سورة (الأنعام) رقم [١٥٢] بعد نهي، وأمرين، وذكرت في سورة (الأعراف) رقم [٤١] بعد ذكر الإيمان، والعمل الصالح؛ ليبين الله:
أن المطلوب من التكاليف والأعمال الصالحة ما سهل فعله، وما فيه عسر، ومشقّة فلسنا مكلّفين بفعله، وغير مؤاخذين بتركه، والوسع: الطاقة، والقدرة.
﴿لَها ما كَسَبَتْ:﴾ الضمير يعود إلى النفس. و ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ من الخير ﴿وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أي: من الشر، أي: لا ينتفع بطاعتها أحد غيرها، ولا يتضرّر بمعاصيها غيرها، وتخصيص الكسب بالخير، والاكتساب بالشّرّ؛ لأن الاكتساب فيه اعتمال، والشر تشتهيه النفس، وتنجذب إليه، فكانت أجدّ في تحصيله، بخلاف الخير. انتهى. بيضاوي. وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: وجاءت العبارة في الحسنات ب ﴿لَها﴾ من حيث هي بما يفرح المرء بكسبه، ويسرّ بها، فتضاف إلى ملكه، وجاءت السّيئات ب (﴿عَلَيْها﴾) من حيث هي أثقال، وأوزار، ومتحمّلات صعبة، وهذا كما تقول: لي مال، وعليّ دين، وكرّر فعل الكسب، فخالف بين التصريف حسنا لنمط الكلام، كما قال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ قال ابن عطيّة-رحمه الله تعالى-:
ويظهر لي في هذا أن الحسنات هي ما تكتسب دون تكلّف بها؛ إذ كاسبها على جادة أمر الله تعالى، ورسم شرعه، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة؛ إذ كاسبها يتكلّف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى، ويتخطّاه إليها، فيحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازا لهذا المعنى، وفي الجملتين ما يسمّى بالطباق المعنوي، وهو من المحسّنات البديعيّة.
﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾ أي: لا تؤاخذنا؛ إن حصل منا تفريط، أو تقصير بحقّك بسبب نسيان، أو خطأ، لا عن عمد، كما آخذت غيرنا، وقد تكرّم الله على هذه الأمة؛ حيث رفع عنها ذلك؛ فعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله وضع عن أمّتي الخطأ، والنّسيان، وما استكرهوا عليه» رواه ابن ماجة، وابن حبان، وعن أمّ الدرداء ﵂-عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الله تجاوز لأمّتي عن ثلاث: عن الخطأ، والنّسيان،
والاستكراه» وطلب رفع المؤاخذة اعتراف بنعمة الله علينا، وقد كانت الأمم السابقة تؤاخذ بالخطإ، والنّسيان. ﴿رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً..﴾. إلخ: الإصر: الأمر الغليظ الصعب، ومنه قول النابغة: [البسيط]
يا مانع الضّيم أن يغشى سراتهم... والحامل الإصر عنهم بعد ما عرفوا
هذا وسميت التكاليف الشّاقّة إصرا؛ لأنّها تثقل كاهل صاحبها، ومنه قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٥٧] ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ كما يسمى العهد والميثاق إصرا؛ لأنّه ثقيل، ومنه قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٨١]: ﴿قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي﴾. ﴿كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا:﴾ المراد به ما كلّف به بني إسرائيل من قتل النفس في التّوبة، وإخراج ربع المال في الزّكاة، وقرض موضع النّجاسة، ومن أصاب ذنبا أصبح؛ وذنبه مكتوب على باب داره، ونحو ذلك من الأثقال، والآصار الّتي فرضت عليهم: كانوا يبتعدون عن المرأة في أيام حيضها، وإذا جمعوا الغنائم لم يأكلوها، بل تنزل نار من السّماء، فتأكلها، لذا دعاهم الله إلى الإيمان بمحمّد ﷺ؛ ليخفّف عنهم هذه الأحكام الشّاقة، قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٥٧]: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾. هذا؛ والإصرار:
العهد، قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٨١]: ﴿قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي﴾.
﴿رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ أي: من التّكاليف الشّاقّة، أو من العقوبات، والمصائب، والشّدائد التي لا نستطيع حملها، وقيل: هيجان الغلمة، والعزوبة، وقيل: هو الفرقة، والقطيعة، وقيل: هو حديث النفس، والوسوسة، كما تقدم. ﴿وَاعْفُ عَنّا﴾ أي: تجاوز عن ذنوبنا، وسيئاتنا. ﴿وَاغْفِرْ لَنا:﴾ استر علينا ذنوبنا، ولا تفضحنا، والغفر: الستر.
﴿وَارْحَمْنا:﴾ تغمّدنا برحمتك التي تنجّينا بها من عقابك، فإنه ليس بناج من عقابك، وسخطك إلا من رحمته، وأصل الرّحمة: رقّة تقتضي الإحسان إلى المرحوم، ولهذا وصف بها الله تعالى، فليس يراد إلا الإحسان المجرد، والتفضّل على العباد دون الرقّة، وقيل: إنّ طلب العفو هو أن يسقط عنه عقاب ذنوبه، وطلب المغفرة هو أن يستر عليه صونا له من الفضيحة، كأن العبد يقول: أطلب منك العفو، وإذا عفوت عنّي، فاستره عليّ، فإذا عفا الله عن العبد، وستره، وتعطّف عليه بالرّحمة-التي هي الإنعام والإحسان-فإنه يفوز بالنعيم والثواب. ﴿أَنْتَ مَوْلانا:﴾
تنبيه: ورد في فضل سورة البقرة أحاديث ترغّب في قراءتها، وتنوّه بشأنها، وهناك أحاديث تخصّ آية الكرسي بمزيد من الفضل، وأحاديث تنوّه بشأن هاتين الآيتين اللتين ختم الله بهما هذه السورة الكريمة، أذكر منها ما رواه عبد الله بن عمر-﵄، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم