﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾: إلا ما يسع (¬١) فيه طوقُها ويتيسَّر عليها، دون مدى الطاقة والمجهود، وهذا إخبارٌ من عدله ورأفته؛ كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ لأنَّه كان في طاقته أن يصلِّي أكثر من الخمس، ويصومَ أكثر من الشهر، ويحجَّ أكثر من حجة، وفيه دلالة على عدم وقوع التكليف بالمحال، وأمَّا أنه ممتنعٌ فلا دلالة عليه، بل الظاهر من الإخبار عن عدم وقوعه إمكانُه.
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ من ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ من شرٍّ، وتقديم (لها) و (عليها) على الكسب والاكتساب للتخصيص؛ أي: لا يثابُ بخيرها ولا يؤاخَذ بشرها غيرُها، بل يختصَّان بها.
وتخصيص الكسب بالخير والاكتسابِ بالشر؛ لأنَّ الاكتساب فيه اعتمالٌ، والشرَّ تشتهيه النفس وتنجذبُ إليه، فكان أجدَّ في تحصيله وأعملَ، بخلافِ الخير.
وفيه التنبيهُ على زيادة اللطف، وكمال الفضل، حيث يُثيب على الخير كيفما وقع، ولا يُعاقبُ على الشر إلا بعد الاعتمال فيه وقوةِ التصرُّف.
﴿رَبَّنَا﴾؛ أي: يقولون: ربنا، كما تقدَّم، وما بينهما إخبارٌ من الله تعالى، والاعتراضُ قبل (¬١) تمام الكلام كثيرٌ في القرآن.
﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ النسيان والخطأ مَجازان من باب إطلاق اسم السبب على المسبب؛ أي: لا تؤاخذنا إنْ فرَط منا ذنبٌ بسبب النسيان أو الخطأ.
أو من بابِ إطلاق اسم المسبَّب على السبب؛ أي: لا تؤاخذنا بما أدَّى بنا إلى النسيان والخطأ من تفريطٍ وقلةِ مبالاةٍ.
ويجوز أن يكون على حقيقتهما؛ إذ لا تمتنع المؤاخذة بهما عقلًا، لكنه تعالى وغد التجاوز عنهما رحمةً وفضلًا، فيجوز أن يدعو الإنسان فيه استدامةً واعتدادًا بالنعمة فيه.
وقولُه ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" (¬٢) يَحتمِل المعنيين
أيضًا؛ لأن المرفوع أثرهما لا نفسُهما، وعلى هذا يصحُّ أن يراد المعنى الأول.
﴿رَبَّنَا﴾ تكرير للمنادى فلا يُخلُّ بعطف قوله: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا﴾ على قوله: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا﴾.
﴿إِصْرًا﴾ الإصر: العبءُ الذي يَأصِرُ حاملَه؛ أي: يحبسُه في مكانه لا يستقلُّ به لثِقله، والمراد به: التكاليفُ الشاقة.
وقرئ: (ولا تحمِّل) بالتشديد (¬١)؛ للمبالغة في الطلب لا في المطلوب انتفاؤه.
﴿كَمَا حَمَلْتَهُ﴾ حملًا مثلَ حملِكَ إياه ﴿عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ من الأمم، أو: مثلَ الذي حملتَه عليهم، فيكونُ صفةً لـ ﴿إِصْرًا﴾.
والمراد به ما كلِّف به بنو إسرائيل من قتل الأنفس، وقطعِ موضع النجاسة، وخمسين صلاةً في اليوم والليلة، وصرفِ ربع المال للزكاة.
﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ من العقوبات النازلة بالأمم السالفة، طلبوا الإعفاء عن التكاليف الشاقَّة التي كُلِّفها مَن قبلَهم، ثم عمَّا نزل بهم من العقوبات لتفريطهم في المحافظة عليها.
وقيل: هو تأكيد للأول بالتكرير.
أو المراد به: الشاقُّ الذي لا يكاد يُستطاع من التكاليف، وهذا دليل على جواز التكليف بما لا يطاق، ولم يتعيَّن هذا المعنى مرادًا من الآية حتى تتمَّ الدلالةُ فيها على جوازه.