الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر مثل هذا النداء في الآية رقم [١] من هذه السّورة. ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ:﴾ من يرجع عن دين الإسلام إلى ما كان عليه من الكفر؛ فلن يضرّ الله شيئا، وإنّما يضرّ نفسه برجوعه عن الدّين الحق. ففيه دليل على نبوّة سيد الخلق، وحبيب الحقّ؛ حيث أخبر القرآن بأمور لم تكن، فكانت، فقد ارتدّ عن الإسلام من العرب في أواخر عهد رسول الله ﷺ ثلاث فرق: بنو مدلج في اليمن؛ حيث تنبّأ فيهم الأسود العنسي، وكان يلقب بذي الحمار، وكان كاهنا، فكان يقول للحمار سر، فيسير، قف؛ فيقف، وقد أخزاه الله، فقتل قبل وفاة الرّسول ﷺ بليلة، وأخبر المسلمين بقتله، وكان فيروز الدّيلمي-﵁-بيّته، وقتله.
وبنو حنيفة: حيث تنبّأ فيهم مسيلمة الكذاب، وقد أخزاه الله، فقتل بخلافة الصدّيق-﵁، وكان الذي باشر قتله وحشيّ قاتل الحمزة-﵁، فكان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية، وشرّ الناس في الإسلام، وأرجو أن تكون هذه بهذه. وارتدّ بعض بني تميم قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة؛ التي زوّجت نفسها مسيلمة الكذاب، وفيها يقول أبو العلاء المعري: [البسيط]
امّت سجاح ووافاها مسيلمة... كذّابة من بني الدّنيا وكذّاب
وكانت شريفة، فلمّا تزوّجها؛ سلمت له، فاتّبعه قومها، وهم بنو حنيفة، وقال الشّاعر فيهما: [الوافر]
مسيلمة اليمامة كان أدهى... وأكذب حيث سار إلى سجاح
ليمدح قومه بأبي رباح... وفاز وردّ مقصوص الجناح
وفيهما يقول قيس بن عاصم-﵁: [البسيط]
أضحت نبيّتنا أنثى نساء بها... وأصبحت أنبياء النّاس ذكرانا
فلعنة الله والأقوام كلّهم... على سجاح ومن بالإفك أغرانا
أعني مسيلمة الكذّاب لا سقيت... أصداؤه ماء المزن حيثما كانا
وارتدّ بنو أسد؛ حيث تنبّأ فيهم طليحة بن خويلد الأسدي، فبعث إليه رسول الله ﷺ خالد بن الوليد-﵁. فقاتله، فانهزم بعد القتال إلى الشّام، ثمّ أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه. وارتدّ سبع فرق في خلافة الصدّيق-﵁. وقال ابن إسحاق: لمّا قبض رسول الله ﷺ ارتدّت العرب إلا ثلاثة مساجد: مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد جؤاثى في البحرين، وكانوا في ردّتهم على قسمين: قسم نبذ الشّريعة كلّها، وخرج عنها، كما قدّمت، وقسم نبذ وجوب الزّكاة، واعترف بوجوب غيرها، فقالوا: نصوم، ونصلّي، ولا نزكي، فقاتل الصديق جميعهم، وبعث خالد بن الوليد وغيره إليهم بالجيوش، فقاتلهم، وسباهم، وردّهم إلى الإسلام على ما هو المشهور من أخبارهم.
ومن قرأ التاريخ يعرف ما لأبي بكر-﵁-من الفضل. قال أبو بكر بن عيّاش:
سمعت أبا حصين يقول: ما ولد بعد النبيين أفضل من أبي بكر الصدّيق، لقد قام مقام نبيّ من الأنبياء في قتال أهل الردّة. ولقد ارتدّ عن الإسلام في عهد عمر-﵁-قبيلة غسّان قوم جبلة بن الأيهم، وتنصّر، وهرب-بسبب اللّطمة للفزاري-إلى بلاد الرّوم، انظر قصّته في الآية رقم [١٦] من سورة (البقرة) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. هذا؛ ويقرأ: «يرتد» و (يرتدد) بالفك والإدغام، وفي سورة (البقرة) رقم [٢١٧] بالفكّ فقط.
﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ:﴾ انظر الآية رقم [١٣٣] من سورة (النساء) ففيها الكفاية.
هذا، والمحبّة ميل النّفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه، بحيث يحملها على ما يقرّبها إليه.
والعبد إذا علم: أنّ الكمال المطلق الحقيقي ليس إلا لله، ﷿، وأنّ كلّ ما يراه كمالا من نفسه، أو من غيره؛ فهو من الله، وبالله، وإلى الله؛ لم يكن حبّه إلا لله، وفي الله، وذلك يقتضي إرادة طاعته، والرّغبة فيما يقرّبه إليه، فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة، وجعلت مستلزمة لاتّباع الرسول ﷺ في عبادته، والحرص على مطاوعته. انتهى. بيضاوي. ومن محبّة الله للعبد رضاه عنه، وغفر ذنوبه، وستر عيوبه. وعدم محبة الله للعبد كناية عن بغضه، والسّخط، والغضب عليه، أعاذنا الله من ذلك. هذا؛ وقد حمل الزّمخشري على الصّوفية بادّعائهم الحبّ، وما ينتج عنه من أعمال دجل، وشعوذة. انظر الكشاف؛ فإنّه جيد.
قال عبد الله بن زيد-﵄: غلطت في أربعة أشياء: في الابتداء مع الله تعالى:
ظننت: أنّي أحبّه، فإذا هو أحبني، قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. وظننت: أني أرضى عنه فإذا هو قد رضي عنّي، قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. وظننت: أنّي أذكره، فإذا هو يذكرني، قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ،﴾ وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾. وظننت أني أتوب إليه، فإذا هو قد تاب عليّ، قال تعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾.
أشداء، أقوياء، غلظاء على أعدائهم الكافرين. قال ابن عبّاس-﵄: هم للمؤمنين كالوالد للولد، والسّيّد للعبد، وهم في الغلظة على الكفّار كالسّبع على فريسته. قال تعالى في وصفهم في آخر سورة (الفتح): ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ انظر شرحها؛ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. هذا؛ وبين: ﴿أَذِلَّةٍ﴾ و ﴿أَعِزَّةٍ﴾ طباق، وهو من المحسّنات البديعيّة.
﴿يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ يبذلون أموالهم، وأرواحهم في سبيل نصرة الدّين الحنيف، ولا يخافون لومة لائم: بخلاف المنافقين يخافون الدّوائر، فدلّ بهذا على تثبيت إمامة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي-﵃ أجمعين-؛ لأنّهم جاهدوا في الله-﷿-في حياة رسول الله ﷺ، وقاتلوا المرتدّين بعده، ومعلوم: أنّ من كانت فيه هذه الصفات؛ فهو وليّ لله تعالى. وقيل: الآية عامّة في كلّ من يجاهد الكفار إلى قيام الساعة.
فعن عبادة بن الصّامت-﵁-قال: «بايعت رسول الله ﷺ على السّمع، والطّاعة في العسر، واليسر، والمنشط، والمكره، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحقّ أينما كنّا، لا نخاف في الله لومة لائم». متّفق عليه.
وعن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحقرنّ أحدكم نفسه أن يرى لله أمرا لله فيه مقال، فلا يقول فيه، فيقال له يوم القيامة: ما منعك أن تكون قلت في كذا، وكذا؟ فيقول: مخافة النّاس، فيقول: إيّاي أحقّ أن تخاف». أخرجه الإمام أحمد.
﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى ما وصف به القوم من المحبّة، ولين الجانب للمؤمنين، والشدّة على الكافرين، وأنّهم يجاهدون في سبيل الله، لا يخافون لومة لائم. كلّ ذلك من فضل الله تعالى، تفضّل به عليهم، ومن إحسانه إليهم. ﴿فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ:﴾ يعطيه، ويمنحه من يشاء من عباده. ﴿وَاللهُ واسِعٌ:﴾ يسع خلقه كلهم بالكفاية، والرزق، والجود، والعطاء، وهو واسع الفضل، والرّحمة. وقيل: واسع القدرة، والعلم، والرزق. وقيل: هو الغنيّ الذي وسع جميع مخلوقاته. ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعال عباده، وبمن يستحقّ الفضل، والرحمة، قال تعالى في سورة طه:
﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ و «أتى» يأتي لازما؛ إن كان بمعنى: حضر، وأقبل. ومتعدّيا إن كان بمعنى: وصل، وبلغ. فمن الأول ما في الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿يَأْتِي اللهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ،﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ رقم [٤٧] من سورة (الأنعام)، ومثلها برقم [٤٠] منها، هذا؛ و «أتى» بمعنى:
أعطى، يعطي ينصب مفعولين، ومنه ما في الآية الكريمة: ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾. و ﴿لائِمٍ﴾ أصله:
لاوم اسم فاعل من: لام، يلوم، فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولم يعتدّ بالألف