إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴿٤٤﴾
Kitab tafsir: Tafsir Ibni 'Asyur
· Pengarang: ابن عاشور
أَيْ يَتَوَلَّوْنَ عَنْ حُكْمِكَ فِي حَالِ ظُهُورِ الْحُجَّةِ الْوَاضِحَةِ، وَهِيَ مُوَافَقَةُ حُكُومَتِكَ لِحُكْمِ التَّوْرَاةِ.
وَجُمْلَةُ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الرَّفْعِ فِي يُحَكِّمُونَكَ. وَنَفِيُ الْإِيمَانِ عَنْهُمْ مَعَ حَذْفِ مُتَعَلِّقِهِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُمْ مَا آمَنُوا بِالتَّوْرَاةِ وَلَا بِالْإِسْلَامِ فَكَيْفَ يَكُونُ تَحْكِيمُهُمْ صَادِقًا.
وَضَمِيرُ فِيها عَائِدٌ إِلَى التَّوْرَاةِ، فَتَأْنِيثُهُ مُرَاعَاةٌ لِاسْمِ التَّوْرَاةِ وَإِنْ كَانَ مُسَمَّاهَا كِتَابًا وَلَكِنْ لِأَنَّ صِيغَةَ فَعْلَاةٍ مَعْرُوفَةٌ فِي الْأَسْمَاءِ الْمُؤَنَّثَةِ مِثْلَ مَوْمَاةٍ. وَتَقَدَّمَ وَجْهُ تَسْمِيَةِ كِتَابِهِمْ تَوْرَاةً عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ فِي سُورَةِ آل عمرَان [٣] .
[٤٤]
[سُورَة الْمَائِدَة (٥) : آيَة ٤٤]
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤)
لَمَّا وَصَفَ التَّوْرَاةَ بِأَنَّ فِيهَا حُكْمَ اللَّهِ اسْتَأْنَفَ ثَنَاءً عَلَيْهَا وَعَلَى الْحَاكِمِينَ بِهَا.
وَوَصَفَهَا بِالنُّزُولِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهَا وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ، فَاسْتُعِيرَ النُّزُولُ لِبُلُوغِ الْوَحْيِ لِأَنَّهُ بُلُوغُ شَيْءٍ مِنْ لَدُنْ عَظِيمٍ، وَالْعَظِيمُ يُتَخَيَّلُ عَالِيًا، كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وَالنُّورُ اسْتِعَارَةٌ لِلْبَيَانِ وَالْحَقِّ، وَلِذَلِكَ عُطِفَ عَلَى الْهُدَى، فَأَحْكَامُهَا هَادِيَةٌ وَوَاضِحَةٌ، وَالظَّرْفِيَّةُ. حَقِيقِيَّةٌ، وَالْهُدَى وَالنُّورُ دَلَائِلُهُمَا. وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ النُّورَ هُنَا مُسْتَعَارًا لِلْإِيمَانِ وَالْحِكْمَةِ، كَقَوْلِهِ: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [الْبَقَرَة: ١٣٢] ،
Juz 6, halaman 207 ›
فَيَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْهُدَى عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، فَالنُّورُ أَعَمُّ، وَالْعَطْفُ لِأَجْلِ تِلْكَ الْمُغَايَرَةِ بِالْعُمُومِ.
وَالْمُرَادُ بِالنَّبِيِّينَ فَيَجُوزُ أَنَّهُمْ أَنْبِيَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مُوسَى وَالْأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِ. فَالْمُرَادُ بِالَّذِينَ أَسْلَمُوا الَّذِينَ كَانَ شَرْعُهُمُ الْخَاصُّ بِهِمْ كَشَرْعِ الْإِسْلَامِ سَوَاءً، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَخْصُوصِينَ بِأَحْكَامٍ غَيْرِ أَحْكَامِ عُمُومِ أُمَّتِهِمْ بَلْ هِيَ مُمَاثِلَةٌ لِلْإِسْلَامِ، وَهِيَ الْحَنِيفِيَّةُ الْحَقُّ، إِذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانُوا عَلَى أَكْمَلِ حَالٍ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالْمُعَامَلَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْخَمْرَ مَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً فِي شَرِيعَةٍ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَمَعَ ذَلِكَ مَا شَرِبَهَا الْأَنْبِيَاءُ قَطُّ، بَلْ حَرَّمَتْهَا التَّوْرَاةُ عَلَى كَاهِنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَمَا ظَنُّكَ بِالنَّبِيءِ. وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ وَصِيَّةِ إِبْرَاهِيمَ لِبَنِيهِ بِقَوْلِهِ: فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [الْبَقَرَة: ١٣٢] كَمَا تَقَدَّمَ هُنَالِكَ. وَقَدْ قَالَ يُوسُفُ- ﵇ فِي دُعَائِهِ: تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يُوسُف: ١٠١] . وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْوَصْفِ بِقَوْلِهِ: الَّذِينَ أَسْلَمُوا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْإِشَارَةُ إِلَى شَرَفِ الْإِسْلَامِ وَفَضْلِهِ إِذْ كَانَ دِينَ الْأَنْبِيَاءِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بالنبيئين مُحَمَّد ﷺ وَعُبِّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ.
وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِلَّذِينَ هادُوا لِلْأَجَلِ وَلَيْسَتْ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ يَحْكُمُ إِذِ الْحُكْمُ فِي الْحَقِيقَةِ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ. وَالَّذِينَ هَادُوا هُمُ الْيَهُودُ، وَهُوَ اسْمٌ يُرَادِفُ مَعْنَى الْإِسْرَائِيلِيِّينَ، إِلَّا أَنَّ أَصْلَهُ يَخْتَصُّ بِبَنِي يَهُوذَا مِنْهُمْ، فَغَلَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ الْآيَةَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٦٢] .
وَالرَّبَّانِيُّونَ جَمْعُ رَبَّانِيٍّ، وَهُوَ الْعَالِمُ الْمَنْسُوبُ إِلَى الرَّبِّ، أَيْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الرَّبَّانِيُّ نَسَبًا لِلرَّبِّ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، كَمَا قَالُوا: شَعْرَانِيٌّ لِكَثِيرِ الشَّعْرِ، وَلِحْيَانِيٌّ لِعَظِيمِ اللِّحْيَةِ. وَقِيلَ: الرَّبَّانِيُّ الْعَالِمُ الْمُرَبِّي، وَهُوَ الّذي يبتدىء
Juz 6, halaman 208 ›
النَّاسَ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ. وَوَقَعَ هَذَا التَّفْسِيرُ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» . وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [٧٩] .
وَالْأَحْبَارُ جَمْعُ حَبْرٍ، وَهُوَ الْعَالِمُ فِي الْمِلَّةِ الْإِسْرَائِيلِيَّةِ، وَهُوَ- بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا-،
لَكِنِ اقْتَصَرَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى الْفَتْحِ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْمِ الْمِدَادِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ. وَعُطِفَ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ على النَّبِيُّونَ لِأَنَّهُمْ وَرَثَةُ عِلْمِهِمْ وَعَلَيْهِمْ تَلَقَّوُا الدِّينَ.
وَالِاسْتِحْفَاظُ: الِاسْتِئْمَانُ، وَاسْتِحْفَاظُ الْكِتَابِ أَمَانَةُ فَهْمِهِ حَقَّ الْفَهْمِ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَاتُهُ. اسْتُعِيرَ الِاسْتِحْفَاظُ الَّذِي هُوَ طَلَبُ الْحِفْظِ لِمَعْنَى الْأَمْرِ بِإِجَادَةِ الْفَهْمِ وَالتَّبْلِيغِ لِلْأُمَّةِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ.
فَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِمَا اسْتُحْفِظُوا لِلْمُلَابَسَةِ، أَيْ حُكْمًا مُلَابِسًا لِلْحَقِّ مُتَّصِلًا بِهِ غَيْرَ مُبَدَّلٍ وَلَا مُغَيَّرٍ وَلَا مُؤَوَّلٍ تَأْوِيلًا لِأَجْلِ الْهَوَى. وَيَدْخُلُ فِي الِاسْتِحْفَاظِ بِالْكِتَابِ الْأَمْرُ بِحِفْظِ أَلْفَاظِهِ مِنَ التَّغْيِيرِ وَالْكِتْمَانِ. وَمِنْ لَطَائِفِ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ حَمَّادَ مَا حَكَاهُ عِيَاضٌ فِي «الْمَدَارِكِ» ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْمُنْتَابِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ يَوْمًا فَسُئِلَ: لِمَ جَازَ التَّبْدِيلُ عَلَى أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَلَمْ يَجُزْ عَلَى أَهْلِ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي أَهْلِ التَّوْرَاةِ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ فَوَكَلَ الْحِفْظَ إِلَيْهِمْ. وَقَالَ فِي الْقُرْآنِ:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الْحجر: ٩] . فَتَعَهَّدَ اللَّهُ بِحِفْظِهِ فَلَمْ يَجُزِ التَّبْدِيلُ عَلَى أَهْلِ الْقُرْآنِ. قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلْمُحَامِلِيِّ، فَقَالَ: لَا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ.
ومِنْ مُبَيِّنَةٌ لِإِبْهَامِ (مَا) فِي قَوْلِهِ: بِمَا اسْتُحْفِظُوا. وكِتابِ اللَّهِ هُوَ التَّوْرَاةُ، فَهُوَ مِنَ الْإِظْهَارِ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ، لِيَتَأَتَّى التَّعْرِيفُ بِالْإِضَافَةِ الْمُفِيدَةِ لِتَشْرِيفِ التَّوْرَاةِ وَتَمْجِيدِهَا بِإِضَافَتِهَا إِلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَضَمِيرُ وَكانُوا لِلنَّبِيئِينَ وَالرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَارِ، أَيْ وَكَانَ الْمَذْكُورُونَ شُهَدَاءَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، أَيْ شُهَدَاءَ عَلَى حِفْظِهِ مِنَ التَّبْدِيلِ، فَحَرْفُ (عَلَى) هُنَا دَالٌّ عَلَى مَعْنَى التَّمَكُّنِ وَلَيْسَ هُوَ (عَلَى) الَّذِي يَتَعَدَّى بِهِ فِعْلُ شَهِدَ، إِلَى الْمَحْقُوقِ كَمَا يَتَعَدَّى
Juz 6, halaman 209 ›
Pembahasan ayat ini masih 3 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.